كتاب وآراء
أخر الأخبار

ثبات السياسة الخارجية للجزائر رغم تغير رؤسائها يكشف الاستبداد العسكري

ذ.مراد احتي باحث في القانون العام والعلوم السياسية

جامعة القاضي عياض- مراكش

الاربعاء 12 اكتوبر 2022 – 18:07

يفترض في الأنظمة السياسية المعاصرة التي تتميز بانفتاحها على الديمقراطية ولو بنسب متوسطة أو حتى قليلة، أن تعرف ظهور مجموعة من الفاعلين السياسيين الذين يختلفون في وجهة نظرهم إلى الأمور السياسية للدولة التي ينتمون إليها سواء في الشق الداخلي أو حتى الخارجي.

لاسيما حين نتحدث عن نظام سياسي جمهوري فالطبيعي بل والضروري في هذه الحال أن تتوفر حرية الرأي لدى عموم المواطنين، مما يمكن من ظهور نخبة سياسية تختلف مرجعياتها ومبادئها وبرامجها السياسية، وهو ما لا يوجد أبدا في النظام السياسي الجزائري، بخلاف المغرب الذي يتميز بتعدد الألوان السياسية التي تعبر عن مواقف سياسية متعددة ومتباينة وقد لا تتلائم مع القرارات والسياسات المتبعة من طرف الدولة المغربية، فحتى عملية التطبيع مع إسرائيل ترتب عنها ظهور مجموعة من الآراء السياسية منها من أيد الأمر ومنها من عارضه، حيث تبين الاختلاف الكبير بين الرأي بين بعض الأحزاب والتوجه الدبلوماسي للدولة في تجل واضح للاختلاف في الرأي والقناعات السياسية، وهنا يطرح السؤال:

– لماذا لا يوجد في الجزائر أي توجه سياسي أو حتى فاعل سياسي يندد أو يخالف النظام العسكري في ما يتعلق بدعم الحركات الإرهابية وعلى رأسهم ميليشيات البوليزاريو؟ وبصيغة أخرى كيف يمكن تفسير ثبات السياسة الجزائرية على محاربة المغرب ودعم البوليزاريو رغم تعاقب الرؤساء؟

هنالك أسباب متعددة تجعل بعض الدول الدكتاتورية تنهج سياسة محددة طوال عقود من الزمن دون ظهور حركات سياسية معارضة أو تحمل مشاريع سياسات جديدة، وأبرز هذه الأسباب إما خضوع الأنظمة السياسية لهذه الدول لأيادي خارجية، مما يجعلها آلية لخدمة أجندة سياسية خارجية في المنطقة، أو خضوع الحكومة السياسية لهذه الدول للسيطرة العسكرية، حيث يتم التحكم في الحكومات السياسية لهذه البلدان من طرف قادة العسكر الذين يتوارثون بشكل متواثر نفس الإيديولوجية السياسية إلى أن تصير دستورا عرفيا تفرضه المؤسسة العسكرية على الهيئات السياسية التي تتربى بين أيدي العسكر منذ نشوئها إلى حين بلوغها للحكم.

ومن هذا المنطلق يبدوا بشكل جلي أن في الجزائر وثيقتان دستوريتان، الأولى هي الدستور الرسمي للدولة الجزائرية وهو الذي يتم من خلاله الحفاظ على شرعية النظام السياسي القائم في الجزائر، وقد كان من اللازم وضع هذا الدستور لكي تدعي الجزائر أنها التحقت بموكب الأنظمة السياسية المعاصرة، فالنظام الجزائري مثله مثل مجموعة من دول العالم الثالث تنطبق عليه مقولة الأستاذ هوريو في تقييمه المأثور لأهمية الدستور”إن الدولة التي تلتحق بمنظمة الأمم المتحدة بدون أن تكون قد أقرت لنفسها دستورا تشبه شخصا دعي إلى حفلة ساهرة فجاءها لا يستر جسمه إلا بثبان السباحة”.

أما الوثيقة الدستورية الثانية فهي عبارة عن دستور عرفي فرضته الإدارة العسكرية في الجزائر بالممارسة، وقد نتج عنه إحساس الحكومات الجزائرية وجميع الإدارات والفاعلين بضرورة الخضوع للعقيدة العسكرية القائمة على اعتبار المغرب العدو رقم 1 من جهة ودعم مرتزقة البوليزاريو ماليا وعسكريا من جهة ثانية، لذلك فإن التوجه السياسي في الجزائر لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يخالف الإيديولوجية العسكرية التي أصبحت سائدة ومسيطرة حتى في المجتمع الجزائري، ومن هذا المنطلق فإن السياسة الخارجية للجزائر لم ولن تتغير مهما تغير رؤسائها “المدنيين”، لأنهم يصطدمون دائما بتنظيم عسكري أقوى من التنظيم السياسي الذي ينتمون إليه، فيكون من اللازم عليهم الامتثال للسياسة العسكرية القائمة على تمويل ودعم الحركات الإرهابية وفي مقدمتهم مرتزقة البوليزاريو.

إن الحديث عن أي تغيير في السياسة الخارجية الجزائرية يقتضي حدوث إصلاح سياسي حقيقي يغير موازين القوى داخل الفاعلين في صناعة القرار ضمن النظام السياسي الجزائري، من خلال تقليص وتحديد مجال العسكر الجزائري ليهتم فقط بما يتعلق بالأمن الخارجي، وترك ما هو مدني للفاعل السياسي الذي يجب أن يحظى بهامش كبير من الحرية في تبني مجموعة من الأفكار والبرامج والطموحات السياسية، وهذا التغيير في الأصل هو التغيير الذي طالب به الشعب الجزائري في أكثر من مناسبة من خلال احتجاجات ومسيرات سياسية جماعية.

وعلى سبيل الختم أزعم أنه كما يعتبر المغرب قضية الصحراء المغربية قضيته الوطنية الأولى، فإن الجزائر بسبب العسكر تعتبر بدورها دعم ميليشيات البوليزاريو وزعزعة الوحدة الترابية للمملكة المغربية قضيتها الوطنية الأولى، بل أكثر من خدمة مصالح الشعب الجزائري نفسه، لذلك فإن المثير للإهتمام هو أن المشكل ليس بين المغرب والنظام الجزائري فقط، بل إن المشكلة كذلك تقع بين الشعب الجزائري ونظامه العسكري الذي يجعل من رعاية القضايا الإرهابية (جماعة البوليزاريو) أولى من رعاية مواطنيه.

فالأمر في الحقيقة يستدعي دق ناقوس الخطر أمام الشعب الجزائري المطالب بحماية بلاده من تهور سياسة العسكر التي تقوم على مسلمة محاربة المغرب ودعم الإرهاب في المنطقة، وتهدد استمرار الجزائر كدولة، كما تشكل خطرا على التلاحم الاجتماعي في الجزائر، مما يعرضها لخطر وقوع مجموعة من الانتفاضات والثورات والأزمات الداخلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى