عاجل
كتاب وآراء

محمد العمرتي: حرب غزة أمام المحكمة الجنائية الدولية.. “ملاحظات حول مشروعية وملائمة طلبات إصدار الأمر بالقبض على مسؤولين بإسرائيل وفلسطين”

محمد العمرتي/ أستاذ القانون الدولي بجامعة محمد الأول – وجدة .

الاثنين 03 يونيو 2024 – 20:36

حضرني وأنا أتابع تداعيات بيان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الصادر يوم 20 ماي 2024 بشأن تقديمه طلبات لإصدار أوامر بالقبض على بعض قادة حماس ورئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيليين (حضرني) تشبيه أكاديمي مختص لحالة العدالة الجنائية الدولية بمشي السلحفاة التي تسرع الخطى ببطء.

لقد تناقلت وسائل الإعلام الغربية خبر قرب إقدام المدعي العام كريم خان على توجيه طلباته الى الغرفة التمهيدية الأولى بشأن إصدار أوامر القبض على بنيامين ناتنياهو رئيس وزراء إسرائيل، بالإضافة الى احتمال ان تستهدف طلبات إلقاء القبض مسؤولين إسرائيليين سامين من بينهم وزير الدفاع يوآف غالنت وهرزي هاليفي رئيس الأركان في إسرائيل، ومن الجانب الفلسطيني بعض زعامات وقيادات حركة حماس بجناحيها السياسي والعسكري.

وإذا ما غضضنا الطرف عن بعض ردود الفعل المتسرعة بعيد انتشار الخبر، وتباين المواقف منه بين التشكيك في إمكانية إقدام المدعي العام على اتخاذ قرار “غير محسوب العواقب ” ، أو استباق صدوره بالاستنكار والانتقاد العنيف لنوايا المدعي العام ، فإن الإعلان الرسمي لكريم خان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية عن تقديمه للدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة طلبات لإصدار أوامر بإلقاء القبض على بعض كبار قادة حركة حماس وجناحها العسكري (كتائب القسام،)، ورئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سياق أحداث 7 أكتوبر و الحرب في غزة، قد أعاد طرح مجموعة من الأسئلة القديمة / الجديدة حول العدالة الجنائية الدولية، وبخاصة حول المحكمة الجنائية الدولية في علاقتها مع الوضع في فلسطين والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة .

وسعيا الى التوضيح المبسط للرهانات والتحديات التي يطرحها طلب المدعي العام من المحكمة الجنائية الدولية اصدار أوامر بالقبض على عدد من المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين ومتابعتهم أمام العدالة الجنائية الدولية ، سوف لن نخوض في العديد من العناصر والإشكالات القانونية التفصيلية التي يثيرها الموضوع ، مقتصرين على التماس الإجابة المركزة عن ثلاث أسئلة كبرى ، يتعلق الأول منها بالأساس الذي يستند عليه اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في اصدار أوامر بالقبض علاقة بالحرب في غزة ؟، ويتمثل السؤال الثاني في محاولة تحديد الأهداف المتوخاة في حالة النزاع بين فلسطين وإسرائيل من إصدار المحكمة لهذا النوع من مذكرات أو أوامر إلقاء القبض على الأشخاص قصد محاكمتهم ؟ اما السؤال الثالث فيطرح مدى اعتبار اصدار أوامر القبض واحتمال اعتمادها في هذه النازلة بالخصوص، امتحانا عسيرا في مسار المحكمة الجنائية الدولية منذ تأسيسها في 2002.

أولا – لماذا تعتبر المحكمة الجنائية الدولية مختصة لإصدار أوامر بإلقاء القبض علاقة بالحرب في غزة؟

إن الحيز المحدود لهذه المقالة لا يسمح بالعودة المفصلة لمختلف المحطات التي عرفها مسار انضمام فلسطين الى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية إلى أن أصبحت رسميا طرفا فيه منذ 2 يناير 2015. بيد أن الارتباط الوثيق بين التكريس القانوني لانضمام الحكومة الفلسطينية الى المحكمة الجنائية الدولية، ومسألة اختصاص هذه الأخيرة للنظر في الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يفرض تذكيرا سريعا بأبرز لحظات هذا المسار.

أودعت الحكومة الفلسطينية في الفاتح من يناير 2015 وفقا للمادة 12/ فقرة 3 من النظام الأساسي للمحكمة

تصريحا تقبل بمقتضاه اختصاص المحكمة للنظر في حالة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر قد ارتكبت في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية منذ 13 يونيو 2014.

وفي 02 يناير 2015 انضمت دولة فلسطين الى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كما أودعت وثائق انضمامها لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة، وأصبح نظام المحكمة نافذا تجاه فلسطين باعتبارها دولة طرفا فيه منذ الفاتح من أبريل 2015. ويجدر التذكير ضمن الكرونولوجيا الموجزة لعلاقة المحكمة الجنائية الدولية بالحالة في فلسطين أن المدعية العامة السابقة للمحكمة السيدة فاتو بنسودة ، كانت قد تلقت في 22 ماي 2018 إحالة من حكومة دولة فلسطين، بخصوص الحالة في فلسطين منذ 13 يونيو 2014 بدون تحديد أجل لانتهاء الإحالة، وذلك وفقا للمادتين 13 (أ) و14 من نظام روما الأساسي للمحكمة.

وقد طلبت فلسطين من المدعية العامة في هذه الإحالة “إجراء تحقيق، وفقا للاختصاص الزمني للمحكمة، في الجرائم المرتكبة في الماضي والحاضر والتي سترتكب في المستقبل، في جميع أنحاء إقليم دولة فلسطين”، وأبلغت المدعية العامة رئاسة المحكمة بهذه الإحالة عملا بالمادة 45 من النظام الأساسي. ومن اللازم الإشارة أيضا ،أن تلقي المدعي العام لإحالة من أي دولة طرف لا يفضي بصورة تلقائية الى مباشرته للتحقيقات بشأنها، ذلك ان المادة 53 (1) من النظام الأساسي تلزمه قبل الشروع في التحقيق بتقييم المعلومات التي تلقاها والاخذ بالاعتبار شروط الاختصاص والمقبولية وتوفر عنصر مصلحة العدالة.

وفي دجنبر 2019 بعد اكتمال الفحص التمهيدي للإحالة الفلسطينية، والتأكد من استيفاء جميع المعايير القانونية وفقا للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، قررت المدعية العامة للمحكمة فتح تحقيق رسمي في “جرائم حرب ارتكبت ” في فلسطين، كما عبرت عن قناعتها بتوفر “أساس معقول ” للمضي قدما في التحقيق بشأن الوضع في فلسطين، مؤكدة “أن جرائم حرب قد ارتكبت أو يتم ارتكابها في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية وقطاع غزة “. غير أن المدعية العامة أثارت الطابع المعقد للقضايا القانونية والواقعية المرتبطة بالوضع في فلسطين، والإشكالات التي تطرحها مسألة “الإقليم الذي يمكن إجراء التحقيق فيه”، واعتبرت أنه من الضروري واستنادا على المادة 19 / الفقرة 3 من النظام الأساسي للمحكمة، التماس قرار من الدائرة التمهيدية الأولى يحسم بوضوح مسألة النطاق الإقليمي الذي يشمله اختصاص المحكمة لحل هذه القضية التي تثيرها حالة فلسطين.

ولم تصدر الدائرة التمهيدية قرارها بشأن طلب المدعية العامة إلا في فبراير 2021، وقرر قضاتها بالأغلبية أن للمحكمة أن تمارس اختصاصها الجنائي في حالة فلسطين، وأن النطاق الإقليمي لاختصاصها يمتد ليشمل الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ 1967، لا سيما غزة والضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية. ويتعين التنبيه في هذا الصدد ، الى أن المحكمة حرصت على التوضيح بأنها لا تملك أهلية البت في المسائل المتعلقة بنشأة وتأسيس دولة ما بشكل ملزم للمجتمع الدولي. مؤكدة أن قرارها لا يبت في مسألة استيفاء فلسطين أركان وعناصر الدولة بموجب القانون الدولي العام، كما أنه لا يفصل في نزاع حول الحدود ولا يستبق مسألة التفاوض على أي حدود ومآلها في المستقبل، وإنما تنحصر آثاره في مسألة تعيين نطاق الاختصاص الإقليمي للمحكمة، عملا بأحكام نظامها الأساسي، وهي المسألة المحددة التي طلب منها البت فيها.

ويتضح مما سبق، أن الفحص الأولي الذي باشره مكتب المدعية العامة بشأن الحالة في فلسطين قد استغرق عدة سنوات، قام خلالها باتصالات ومقابلا ت مكثفة واستشارات عديدة مع فئة واسعة من الأشخاص والجمعيات والمؤسسات والمنظمات غير الحكومية والخبراء، كما عقد بشكل منتظم اجتماعات مع ممثلي الحكومتين الفلسطينية والإسرائيلية. وقد أعلنت المدعية العامة بشكل رسمي في 03 مارس 2021 عن وجود” أساس معقول “للشروع في مباشرة التحقيق في الحالة في فلسطين، والذي سيشمل الجرائم التي تندرج في اختصاص المحكمة والتي تم الادعاء بارتكابها في الحالة موضوع التحقيق منذ 13 يونيو 2014، اعتبارا لكونه التاريخ المحدد في الإحالة التي توصلت بها المدعية العامة.

ولعل السؤال الجوهري الذي ينبغي أيضا الجواب عليه يتعلق بالأساس القانوني الذي تستمد منه المحكمة اختصاصها لمباشرة التحقيقات في الجرائم التي تكون قد ارتكبت في الأراضي الفلسطينية.

حددت المادة 5 من النظام الأساسي على سبيل الحصر، عددا من الجرائم الأشد خطورة التي تهدد المجتمع الدولي /برمته، وأسند اختصاص النظر فيها ومتابعة ومحاكمة مرتكبيها الى المحكمة. وهذه الجرائم هي: جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان، واشترطت الفقرة الثانية من المادة 5 ممارسة المحكمة لاختصاصها بالنسبة لهذه الجريمة الأخيرة بوجوب اعتماد تعريف للعدوان في نطاق الأمم المتحدة.

وبخصوص الشروط الواجب توفرها لممارسة المحكمة لاختصاصها فيما يتعلق بالجرائم المذكورة، نصت المادة 12 على أن تكون الدولة طرفا في النظام الأساسي وتقبل اختصاص المحكمة في الجرائم المحددة في المادة 5، وان تكون الجريمة قيد البحث وقعت في إقليم تلك الدولة أو يكون المتهم بارتكاب الجريمة أحد رعاياها.

وتمنح المادة 15 للمدعي العام لدى المحكمة، الاختصاص لمباشرة التحقيقات من تلقاء نفسه على أساس المعلومات التي احيلت عليه والمتعلقة بجرائم يشملها اختصاص المحكمة.

هكذا ، فبناء على المقتضيات الآنفة الذكر ،وعلاقة بتداعيات التدهور الخطير للوضع الأمني والإنساني في فلسطين غداة الهجوم الذي نفذه مقاتلون من كتائب القسام وفصائل مسلحة فلسطينية أخرى ضد إسرائيل في 7 أكتوبر2023 ، الذي خلف سقوط عدد من الضحايا واحتجاز ما يقرب من 245 من الرهائن الإسرائيليين المدنيين، و شن إسرائيل لحربها الانتقامية المدمرة ضد السكان المدنيين الفلسطينيين في غزة والتجمعات السكانية المجاورة لها في القطاع، أقدمت مجموعتان من الدول في 17 نونبر 2023 ( جنوب أفريقيا ، بنغلاديش ، بوليفيا ، جزر القمر ، جيبوتي ) ، ثم في 18 يناير 2024 ( الشيلي ، المكسيك) على الإحالة الإضافية للحالة في فلسطين ، التي كانت معروضة من قبل كما أوضحنا سابقا ، وطرحها على أنظار المدعي العام الجديد كريم خان ، ومطالبة إياه بتسريع التحقيقات حول الجرائم المرتكبة من لدن جميع الأطراف المتحاربة من الفلسطينيين والإسرائيليين وتحديد المشتبه فيهم الرئيسيين .

وقد أصدر المدعي العام بيانا في 20 ماي 2024 ، أعلن فيه عن تقديمه طلبات للدائرة التمهيدية الأولى بالمحكمة الجنائية الدولية لإصدار أوامر قبض فيما يتعلق بالحالة في دولة فلسطين .وأكد المدعي العام أنه استنادا الى الأدلة التي جمعها وفحصها مكتبه ،خلص الى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن يحيى السنوار ( رئيس حركة المقاومة الإسلامية – حماس- في قطاع غزة )، ومحمد دياب إبراهيم المصري ( القائد الأعلى للجناح العسكري لحماس ، المعروف باسم كتائب القسام)، وإسماعيل هنية ( رئيس المكتب السياسي لحماس) يتحملون المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في أراضي إسرائيل ودولة فلسطين ( في قطاع غزة) اعتبارا من 7 أكتوبر على الأقل.

وبالرجوع الى لائحة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي اعتبر المدعي العام ان القادة الفلسطينيين الثلاثة يتحملون المسؤولية الجنائية في ارتكابها يتبين انها تشمل الإبادة Extermination: (وفقا للمادة 7 / 1 (ب) من نظام روما الأساسي، وليس الإبادة الجماعية: Génocide طبقا للمادة 6 من هذا النظام) والقتل العمد: Meurtre، وأخذ الرهائن والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي والتعذيب ومعاملات لاإنسانية أخرى والمعاملة القاسية والاعتداء على كرامة الشخص.

وحسب مكتب المدعي العام إن هذه الجرائم قد تم ارتكابها في إطار نزاعين مسلحين قائمين بشكل متوازي، أحدهما نزاع مسلح دولي بين إسرائيل وفلسطين، والآخر نزاع مسلح غير دولي بين إسرائيل وحماس، كما ان هذه الجرائم “ارتكبتها حماس وجماعات مسلحة أخرى في إطار هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد السكان المدنيين في إسرائيل”، وبعض هذه الجرائم لا زالت “مستمرة الى يومنا هذا “في تقدير مكتب المدعي العام.

وبالنسبة للجانب الإسرائيلي، اعتبر المدعي العام ان ثمة أسباب معقولة تدفع الى الاعتقاد بأن بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل، و يوآف غالانت وزير الدفاع الإسرائيلي، يتحملان المسؤولية الجنائية عن ارتكاب مجموعة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في أراضي دولة فلسطين (في قطاع غزة) اعتبارا من 8 أكتوبر 2023 على الأقل، وتضم لائحة هذه الجرائم:

تجويع المدنيين باعتباره جريمة حرب،
تعمد إحداث معاناة شديدة وإلحاق أذى خطير بالجسم أو الصحة أو المعاملة القاسية باعتبارها جريمة حرب،
القتل العمد،
تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين باعتباره جريمة حرب،
الإبادة و / او القتل العمد، بما في ذلك في سياق الموت الناجم عن التجويع، باعتباره جريمة ضد الإنسانية،
الاضطهاد باعتباره جريمة ضد الإنسانية،
الأفعال اللاإنسانية الأخرى التي تتسبب عمدا في في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية باعتبارها جرائم ضد الإنسانية.

ويجدر بنا إبداء ثلاث ملاحظات نعتبرها مهمة في سياق تحديد المدعي العام للجرائم التي طالب على أساسها اصدار أوار القبض على عدد من المشتبه فيهم بارتكاب هذه الجرائم.

وعيا من المدعي العام بالحساسية الشديدة لحالة فلسطين المعروضة على المحكمة الجنائية الدولية منذ سنة 2018 ،والطابع المعقد للإشكالات القانونية المتصلة بتكييف الوقائع والافعال الجرمية في ضوء النظام الأساسي للمحكمة، لا سيما في النازلة المتصلة بالنزاع المسلح بين فلسطين وإسرائيل ، قام المدعي العام بإجراء احترازي إضافي من خلال الاستعانة بمشورة مجموعة من الخبراء المحايدين والبارزين في القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي ،الذين قدموا له الدعم في مراجعة وتمحيص الأدلة وفي التحليل القانوني لأسس ومسوغات طلبات إصدار أوامر القبض .
إن تقديم المدعي العام لطلباته الى الدائرة التمهيدية للمحكمة بشأن إصدار أمر بالقبض على الشخص أو أمر الحضور وفقا للمادة 58 من النظام الأساسي، يعتبر ممارسة عادية في نطاق مباشرة المدعي العام للإجراءات الجنائية الدولية، طالما أنه توصل إلى جمع العناصر القانونية والواقعية الكافية عن وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن الشخص المطلوب إصدار الأمر بالقبض عليه قد ارتكب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة، وأصبحت الضرورة تدعو إلى إلقاء القبض عليه من أجل وضع حد لأفعاله الجرمية ومثوله فعليا أمام قضاة المحكمة.

وفي نازلة الحال، ثمة عدة انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان التي ارتكبتها الأطراف المتنازعة، والتي يمكن اعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بل حتى جرائم للإبادة الجماعية.

إن المدعي العام لم يدرج ضمن الجرائم التي ارتكبها الطرف الإسرائيلي جريمة الإبادة الجماعية،

ويبدو أنه التزم الحذر ورجح خيار عدم التأثير على مآل الدعوى التي قدمتها جمهورية جنوب أفريقيا ضد دولة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في 29 دجنبر 2023، بناء على الاتفاقية الدولية لمنع جريمة الإبادة الجماعية لسنة 1948، والتي أصدرت المحكمة بشأنها في 26 يناير 2024 قرارا يأمر إسرائيل باتخاذ مجموعة من التدابير المؤقتة والعاجلة (راجع تحليل هذا القرار الذي نشرناه في هذا الموقع بتاريخ 23 فبراير 2024) ، كما أن جمهورية جنوب أفريقيا وضعت طلبا استعجاليا لدى محكمة العدل الدولية في 10 ماي 2024 بشأن إصدار الأمر باتخاذ تدابير مؤقتة إضافية.

ثانيا – أهداف تقديم طلبات إصدار أوامر القبض على قياديين رئيسيين في إسرائيل وفلسطين

لا شك أن الهدف الأول من إصدار أوامر القبض على الأشخاص الذين حدد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية هوياتهم وصفاتهم، يكمن في تحقيق العدالة وعدم الإفلات من العقاب من خلال المثول الفعلي للمتهمين أمام قضاة المحكمة من أجل محاكمتهم.

وبصرف النظر عن الجدل القانوني الذي تثيره بعض الآراء المؤيدة لإمكانية محاكمة الأشخاص غيابيا من طرف المحكمة الجنائية الدولية ، بالإضافة الى الترتيبات المنصوص عليها في القاعدة 134 ( مكرر رابعا) من قواعد الإجراءات وقواعد الإثبات للمحكمة ،أو التطورات الأخيرة التي عرفها موقف قضاة المحكمة بشأن عقد جلسة لإقرار التهم في غياب المتهم ( القرار الأولي الصادر عن قضاة الدائرة التمهيدية الثانية في قضية جوزيف كوني 23 نونبر 2023)، فإن القاعدة هي وجوب الحضور الشخصي للمتهمين أمام المحكمة الجنائية الدولية وفقا للمادة 63 من نظام روما الأساسي .

ويكتسي إصدار الأمر بالقبض على المتهمين ومحاكمتهم مدلولا عمليا بالغ الأهمية في العدالة الجنائية الدولية، يساهم في تدعيم القيمة المعنوية والرمزية لهذا الأمر، لأنه يضع «سيف ديموقليس ” على رأس المشتبه فيه الذي يصبح عرضة للاعتقال من إحدى الدول الأطراف (124 دولة) في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بمجرد ما يدخل الى إقليمها، وذلك على الأقل في الدول التي يكون فيها القضاء سلطة مستقلة حقيقة عن السلطة الحكومية.

وإذا كان من المفروض ان يؤدي تقييد تنقلات أي مسؤول رسمي رفيع في دولة معينة إلى إضعاف ممارسته لسلطته ، وتهميشه وعزله على المستوى الدولي من خلال توجيه أصابع الاتهام اليه وتقويض شرعيته ومصداقيته ، فإن التجربة قد أبانت أن أوامر القبض التي أصدرتها المحكمة الى غاية اليوم ،ضد رؤساء دول كانوا يمارسون السلطة في السابق أو لا زالوا يتقلدون المسؤولية في بلدانهم، لم ترتب نفس الآثار المرجوة منها ( مثلا إصدار الأمر بالقبض على فلاديمير بوتين رئيس فدرالية روسيا في 17 مارس 2023في إطار الحرب على أوكرانيا – الأمر بالقبض على الرئيس السوداني الأسبق عمر حسن أحمد البشير في 12 يوليوز 2010 علاقة بالوضع في إقليم دارفور – الأمر بالقبض على أوهورو كينياتا ومسؤولين آخرين في 8 مارس 2011 بشأن الحالة في جمهورية كينيا).

فطالما أن المحكمة الجنائية الدولية لا تتوفر على قوة للشرطة الدولية، فإن فعلية القرارات والأوامر التي تصدرها تظل رهينة التعاون مع المحكمة الذي من المفروض ان تلتزم به الدول الأطراف في نظامها الأساسي.

بيد أن تعاون هذه الدول مع المحكمة لا زال ضعيفا ومحتشما أو منعدما أصلا، عندما يكون القادة الكبار في الدولة هم المعنيون بأوامر القبض. ولا مناص في هذه الحالات من التعامل مع الضرورات المختلفة التي يفرضها نهج سياسة براغماتية في العلاقات الدولية، وتجاوز المعضلة التي تطرحها على العدالة الجنائية الدولية ” قرينة براءة الدولة”عندما يكون المتهمون من رعاياها ويشغلون مراكز الصدارة في نظامها السياسي والدستوري.

ثالثا – إصدار أوامر القبض: امتحان حاسم للمحكمة الجنائية الدولية

لا شك في أن المحكمة الجنائية الدولية بإصدارها لمذكرات القبض ومتابعة الأشخاص الذين يتقلدون مناصب قيادية في الدولة ،فإنها تمارس أحد الاختصاصات التي أنشأت من أجلها، ذلك ان الهدف من تأسيسها يتمثل في محاكمة الاشخاص الذين لا يشملهم اختصاص المحاكم الوطنية الأجنبية بسبب تمتعهم بامتيازات الحصانة القضائية في دولهم.

ومن هذه الزاوية، يمكننا القول إن الاستجابة المحتملة لطلبات المدعي العام، وإصدار الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة أوامر القبض على المتهمين في نازلة الحالة في فلسطين، -علما انها ليست مقيدة بأجل محدد للبت في طلبات المدعي العام – ولا سيما منهم رئيس الوزراء الإسرائيلي، ستمكن من اختبار موقف الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة من التأويل الجريء الذي طورته الدائرة الاستئنافية للمحكمة في قضية الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد أن المادة 27 من النظام الأساسي تكرس مبدأ عدم الاعتداد بالصفة الرسمية، وتنص على أنه […بوجه خاص فإن الصفة الرسمية للشخص، سواء كان رئيسا للدولة أو حكومة أو عضوا في حكومة أو برلمان او ممثلا منتخبا أو موظفا حكوميا، لا تعفيه باي حال من الأحوال من المسؤولية الجنائية …. كما انه لا تشكل في حد ذاتها، سببا لتخفيف العقوبة]. وقد اعتبرت الدائرة الاستئنافية للمحكمة أن مبدأ عدم حجية الحصانات التي يتمتع بها الأشخاص بناء على صفاتهم الرسمية، والمنصوص عليه في المادة 27 المشار إليها، قد يكتسي طابعا عرفيا ويصبح بالتالي قابلا للتطبيق على دول غير أطراف في النظام الأساسي [مثل إسرائيل في هذه الحالة] وذلك بغض النظر عن القيود التي يضعها مبدأ الأثر النسبي للمعاهدات.

غير أن ما ذهبت اليه المحكمة من إضفاء للطبيعة العرفية على مبدإ عدم الاعتداد بالحصانات حتى إزاء الدول غير الأطراف في نظام روما الأساسي ، وضدا على المبدأ المستقر لنسبية آثار المعاهدات الدولية، دفع بعض المختصين المرموقين في القانون الجنائي الدولي الى إثارة الانتباه لمسألتين مهمتين في هذا السياق.

تتعلق الأولى بضرورة الأخذ في الاعتبار أن الحالة في فلسطين لم تتم إحالتها على المحكمة الجنائية الدولية من طرف مجلس الأمن الدولي في نطاق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وذلك خلافا لحالة السودان (دارفور) التي أحالها المجلس على المحكمة في مارس 2005.

وتهم المسألة الثانية قوة المواقف الرافضة أو المتحفظة على فكرة تجريد الممثلين الرسميين للدولة من حصانة الولاية القضائية الجنائية الأجنبية، والتي برزت أثناء مناقشات الدول للمشروع الذي أعدته لجنة القانون الدولي بشأن هذه المسألة. فالانتقادات القوية التي وجهتها العديد من الدول لهذا المشروع تدفع إلى الشك في وجود الركن المعنوي لعرف مستقر بخصوص هذه المسألة، وعدم توفر شروط تواتر العمل به وإلزاميته للدول على الأقل في هذه المرحلة.

وفيما يبدو، إن حرص الدول على استمرار تمتع ممثليها الرسميين بالحصانات الشخصية والحفاظ على الامتيازات القضائية الجنائية لا سيما للثالوث المتكون من رئيس الدولة ورئيس الحكومة ووزير الخارجية، ما زال يعكس تعلقا قويا للدول بهذه الحصانات وعدم استعدادها للتخلي عنها.

يمكننا الخلوص مما سبق الى أن المحكمة الجنائية الدولية، تسعى أيضا من ممارستها لاختصاصها في الحالة الفلسطينية إلى الرد على الانتقادات المتكررة التي ظلت تتعرض لها بسبب الطابع الانتقائي للمتابعات التي حركتها في السابق، وسقوطها في مزالق ازدواجية المعايير مما قد يساهم في ترميم علاقتها المتوترة مع الدول العربية والإفريقية.

غير ان مسعى المحكمة الجنائية الدولية يواجه تحديات وعوائق عدة، ليس أقلها اللوم الموجه لها بإهمال حالات أخرى مثل نيجيريا أو أفغانستان، وعليها أيضا أن تبرهن على قدرتها على ربح رهان ممارسة اختصاصاتها وفرض عدم الإفلات من العقاب في نزاعات مسلحة لا زالت مشتعلة (أوكرانيا)، بالإضافة إلى أخذها بالجدية اللازمة تناقضات ومعضلات الدول التي تعتبر الداعمة تقليديا للمحكمة. كما لا ننسى أن المحكمة الجنائية الدولية قد تلقت بطريقة غير مسبوقة تهديدات صادرة عن مؤسسات رسمية في روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، بإمكانية اتخاذ عقوبات ضد المدعي العام وقضاتها وأطرها والمتعاونين معها، مما من شأنه تقويض الطابع العالمي للمحكمة ونسف فرص التقدم المتواضع الذي أحرزه المجتمع الدولي في المسار الشاق لتحقيق العدالة الجنائية الدولية.

زر الذهاب إلى الأعلى