محسن الأكرمين.
السبت 15 مارس 2025 – 18:16
اليوم كانت فرحتي لا تماثل فرحة، فقد سُعِدْتُ من تلك المشاهد البهيجة عن مدينة الأعاجيب مكناس. وقفت عند مفاتن مدينة وهي تتبرج بالتغيير، وتنفض عنها غبار التقادم، وتفكير مدينة الأحاجي. كنت أتجول بين الصبح والمساء في شوارع العامرة، وحارات ودروب وأزقة مدينتي منتصب القامة أمشي.
فمن قلب المدينة العتيقة، كنت أشتم عبق التاريخ نحو المدينة الكولونيالية (حمرية)، الطرقات تتسع لكل السيارات والمركبات، كانت القناطر متوافرة بالحداثة، والممرات الأرضية قد ألغت (علامات الأضواء الثلاثية) البدائية، وتجوال المشي في تناسق مع حركية المدينة العلية، بالتنظيم والوعي والسلوك الحضاري.
وجدت أن المدينة العتيقة كل منازلها ورياضها تحمل نفس الألوان التاريخية. وقفت على أن المدينة العتيقة باتت منظمة ومنسقة الأسواق بهندسة تامة من ورث السلف الصالح. كانت معالم التجديد من عمليات التثمين توثق إعادة التوظيف الأمثل الذي يجاوز بين العصرنة والأصالة. سمعت أهل المدينة العتيقة في ذكر (دليل الخيرات) و (البُردة البوصيرية)، والكلمات الطيبة في تناغم مع المكان، ورفع الأذان من المسجد الجامع الكبير، الذي نحمد الله بكرة وأصيلا من إعادة فتحه.
كنت في تأن من أمري، وأنا أتيمن دخول المسجد الكبير، وأخطو في صفاء نحو كل أبواب زوايا المدينة الصوفية. سمعت (الوِرْدَ) الحزب يرتل تباعا، وبالقراءة المغربية المتفردة. وقفت، أن المدينة العتيقة باتت مفتوحة على المستقبل بالتقاء الحاضر، ولم يعد الماضي يُثْقل مسارها التنموي.
ففرحتُ جدا أن (مكناس لم تعد تشكل مشكلة) بتاتا، فشوارع المدينة كانت كلها مرصفة، وتعيش الأناقة البيئية في تناغم مع الحدائق الغناء، وكل الممرات ميسرة الولوج، والملك العام المشترك بات محررا، والتنظيم العام لشوارع انتقل من فزع العشوائية والارتجالية، والأنشطة غير المهيكلة، نحو مفهوم الحضارة عند ابن خلدون و(أرنولد توينبي/ التحدي والاستجابة) .
في الليل باتت المدينة تماثل مدينة الأنوار وتزيد رونقا، وجميع أطياف الألوان المتموجة تتحرك في العيون الناظرة. كانت الساكنة تمارس السلوك الحضاري مع مدينتها، ومع مظاهر التمدن الذكي بمكناس. كان الجميع يحس بالأمن والأمان حتى في تلك الهوامش القصية عن مركز المدينة، والتي كانت تتشكل من لغة دخيلة (شَحالْ مِنْ بَطَانَة طَاحَتْ اليوم !!)، فقد باتت تماثل المراكز الحضرية التي تستقطب الحياة لا الموت، والأمن غير الفزع.
دوريات من الأمن حاضرة، وتعيش حتى هي في أمن ونشوة سعادة من انتهاء زمن (التشرميل) و(الزطاطة)، حيث باتت كل الخدمات متوفرة، وبالسرعة غير المحسوبة. حتى الوقاية المدنية والإسعافات الأولية، تجوب شوارع المدينة ولم تصادفْ ولا حادثة لنقل الضحايا لمستشفى التخصصات من الجيل الرابع. كان المسؤولون عن المدينة (الفاضلة زَمَانْ زَمَانْ)، يتشاركون فرحة من أمرهم، حين حققوا عيش الكرامة وجودة الحياة والحكامة النهائية !! وباتت مكناس جزءا من جنة دنيا وتشابه (أوسلو النرويج) !!.
من تمام فرحة المواطنين الطيبين الطيعين، فحين تلج قدماك أي إدارة عمومية، تلقى البسمة من كل الموظفين، والإرشادات المؤنثة بالورود، وحاجتك (مقضية) قبل تنبش بكلمات الشكر الموصول لكل الموظفين. كانت كل قاعات الانتظار، وذاك الصف الرتيب قد انتهى زمانه المنغص، وبات نسيا منسيا، باعتبار المواطن ملكا في قضاء مآربه الإدارية، وبدون تدخلات ولا رشوة مقيتة.
تتبعت مسالك ماء وادي بوفكران، فحمدت الله وسبحت (بكرة وأصيلا) أن جريان مياهه باتت تملأ ضفافه، وجدت (الكِيدُونَاتْ) و(البَلِييْصَة) المسابح القديمة والشعبية بالوادي لازالت تحتضن الأجساد العارية، وكل ضفاف الوادي يانعة مخضرة، حتى (العوينة الصافية) ومنتزهات (السلاوية) ومقطع وادي كيتان بالقرب من (قنطرة باب العمائر)، لازالت تحتضن البط المائي وحوت الوادي، فيما المسبح البلدي فيتجدد ماؤه بدون توقف. حينها تذكرت صغري و(التحنقيز) في (البلونجوار) و(عزيز الحبادي والإخوة الغويني)،و(باسيدي ولد بيرمة/ رحمه الله وغفر له).
وأنا أتلذذ من مشاهد مدينتي المتنطعة في خندق التراجعات !! توقفت عن السير قدما، وعاودت التفكير بالتكرار الممل وتساءلت بالاستنكار: ما هذا التمكين الجميل الذي أصاب مكناس؟ حينها بدأ الحلم يتسرب عند (الأنا العليا) بالحقيقة المفزعة، و(الجير) يتقادم، مع (احْكَامْ العكار الفاسي تَيْتْمَمَرْدِ)، والأزهار التي غرست متفتحة (بقدرة قادر !!!) في المناسبات تموت عطشا ودوسا، حينها أحسست حتى (أنا) بالعطش، فلم أجد شربة ماء تشفي حاجتي من الوادي غير الحقيقة المرَّة ، فأسرعت إلى البراد، وأنا أحمد الله الليلة أن المدينة لها مُسْتقبل في رؤية الحلم !!