آخر 24 ساعة

في الصميم..الانتخابات التشريعية.. حين يصبح الناخب أمام حصيلة الأمس وأسئلة اليوم

عدد المشاهدات: 188

FB IMG 1790009368331

صدى المغرب – نورالدين البريرشي

الاثنين 21 شتنبر 2026 -16:16

لم تعد الانتخابات التشريعية مجرد موعد دوري تتغير فيه اللافتات، وتتجدد فيه الشعارات، وتعلو فيه أصوات المرشحين في الساحات واللقاءات، فالناخب المغربي يدخل إلى الاستحقاق الحالي بذاكرة مختلفة، يحمل فيها أسئلة المرحلة السابقة، ويقارن بين ما سمعه بالأمس وما عاشه على أرض الواقع، وبين وعود الانتخابات وانتظارات ما بعد الانتخابات.

هذه المرة، لا يبدأ النقاش من نقطة الصفر،فخلف كل ورقة انتخابية تجربة، وخلف كل وعد انتخابي ذاكرة، وخلف كل خطاب سياسي سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته: ماذا تحقق فعلاً؟

خلال المرحلة السابقة، تصدرت قضايا تحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، وإصلاح الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز الاستثمار والتنمية، جانباً مهماً من الخطاب السياسي والانتخابي،وكانت الوعود كثيرة، والانتظارات أكبر، فيما ظل المواطن ينتظر أن تتحول البرامج المعلنة إلى أثر ملموس في تفاصيل حياته اليومية.

واليوم، تبدو الصورة أكثر تعقيداً،فالمواطن لم يعد يكتفي بسماع ما سيُنجز، وإنما يسأل أيضاً عما أُنجز، وما لم يُنجز، ولماذا لم يُنجز،وهو بذلك ينتقل تدريجياً من موقع المتلقي للخطاب الانتخابي إلى موقع من يحاول مساءلته ومقارنته بالواقع.

وهنا تكمن إحدى أبرز التحولات التي يعرفها المشهد الانتخابي الحالي: البرنامج لم يعد وحده كافياً، والخطاب لم يعد وحده مقنعاً، والوعود أصبحت مطالبة بسند من الأرقام والآجال والقدرة على التنفيذ.

فالقضايا التي تشغل المواطن اليوم ليست مجرد عناوين انتخابية،إنها تفاصيل يومية مرتبطة بالنقل، والتعليم، والصحة، والتشغيل، والسكن، والاستثمار، والبنيات التحتية، والخدمات العمومية، وفرص الشباب، فضلاً عن استمرار التفاوت في الولوج إلى بعض الخدمات بين المجالات الحضرية والقروية.

ومن هذه الزاوية، تبدو الانتخابات الحالية اختباراً للخطاب السياسي أكثر مما هي مجرد تنافس على المقاعد، فالناخب يريد أن يعرف ليس فقط من سيطلب صوته، ولكن ماذا سيقدم له بعد الحصول عليه، وما حدود قدرة المنتخب على الوفاء بالتزاماته، وكيف يمكن مساءلته عندما تنتهي الحملة وتُغلق صناديق الاقتراع.

وفي المقابل، تواجه الأحزاب والمرشحون تحدياً لا يقل أهمية، كيف يقنعون جيلاً جديداً من الناخبين بأن المشاركة السياسية ليست مجرد موسم انتخابي؟ وكيف يعيدون بناء الثقة في المؤسسات المنتخبة؟ وكيف يجعلون من البرامج الانتخابية تعاقداً سياسياً قابلاً للمتابعة والمساءلة، بدل أن تبقى مجرد وثائق تُستعاد مع بداية كل استحقاق؟

ولعل حضور الشباب في النقاش الانتخابي يختزل جانباً كبيراً من هذه الأسئلة، فالأجيال الجديدة لا تعيش السياسة بالطريقة نفسها التي عاشتها أجيال سابقة،فهي أكثر حضوراً في الفضاء الرقمي، وأكثر قدرة على مقارنة الخطابات وتتبع المواقف، وأسرع في مساءلة السياسيين حول ما يقولونه وما يفعلونه.

وهذا التحول يفرض بدوره على الفاعل السياسي تطوير أدوات التواصل، وتجديد الخطاب، والانفتاح على وجوه وكفاءات جديدة،لكن الاختبار الحقيقي لا يبدأ يوم الاقتراع ولا ينتهي بإعلان النتائج.

الاختبار يبدأ في اليوم التالي، عندما تنتقل الأحزاب والمنتخبون من لغة الحملة إلى مسؤولية التدبير والتشريع والمراقبة، وعندما يتحول المواطن من ناخب مطلوب صوته إلى مواطن ينتظر نتائج ملموسة،وهنا تحديداً تظهر المسافة بين السياسة باعتبارها خطاباً، والسياسة باعتبارها مسؤولية.

فالانتخابات لا تمنح شيكاً على بياض، كما أن التصويت لا ينبغي أن يكون نهاية علاقة المواطن بالمنتخب، بل بداية علاقة جديدة عنوانها المتابعة والمساءلة،وإذا كانت الحملات الانتخابية تتيح للمرشح فرصة تقديم وعوده، فإن المرحلة التي تليها تمنح المواطن حق مراقبة مدى ترجمة تلك الوعود إلى سياسات وقرارات ونتائج.

وبين انتخابات الأمس واستحقاق اليوم، يبدو أن الناخب نفسه قد تغير، لم يعد السؤال بالنسبة إليه فقط: من سأنتخب؟ بل أصبح أيضاً: ماذا سأنتظر منه بعد أن أنتخبه؟

وهذه ربما هي النقطة الأكثر أهمية في المشهد كله؛ لأن قوة الديمقراطية لا تقاس فقط بتعدد المرشحين أو شدة المنافسة خلال الحملة، وإنما أيضاً بقدرة المؤسسات المنتخبة على تحويل الاختيار الشعبي إلى عمل عمومي يستجيب للحاجيات الفعلية للمجتمع.

في النهاية، ستُطوى الحملة، وستختفي اللافتات، وستغادر الأصوات الانتخابية منصات التجمعات، لكن ما سيبقى هو السؤال الأصعب، ماذا بعد؟

ذلك أن الناخب الذي يستمع اليوم إلى وعود جديدة لا يستمع إليها بذاكرة خالية،إنه يدخل الاستحقاق محملاً بتجربة مرحلة سابقة، وبانتظارات مرحلة مقبلة، وبحق مشروع في أن يرى السياسة في صورتها الأكثر واقعية: التزاماً، ومسؤولية، ونتائج، ثم مساءلة.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي في الانتخابات التشريعية الحالية لا يختزل في من سيحصل على المقعد، وإنما في ما إذا كانت هذه المحطة ستنجح في تجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات، وفي جعل الصوت الانتخابي بداية لمسار من المسؤولية السياسية، لا مجرد ورقة تُوضع في الصندوق ثم تُنسى.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *