
صدى المغرب – وكالات
الاربعاء 30 شتنبر 2026 -13:00
يبدأ العراق مرحلة أمنية جديدة مع اكتمال الانسحاب العسكري الأمريكي من أراضيه، في تحول ينهي أكثر من عقد من الوجود العسكري الأمريكي المرتبط أساساً بمواجهة تنظيم “داعش”، ويفتح في المقابل أسئلة معقدة حول قدرة المؤسسات العراقية على إدارة المشهد الأمني بمفردها، وعلى رأسها ملف الفصائل المسلحة ومستقبل الحشد الشعبي.
ويأتي هذا التحول في ظرف إقليمي بالغ الحساسية، إذ لا يرتبط الانسحاب بمجرد إعادة انتشار عسكري، بل يتزامن مع تغيرات أوسع في موازين القوى داخل العراق والمنطقة. وبينما تعتبر بغداد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي خطوة باتجاه تعزيز سيادتها، تبرز في المقابل مخاوف، خصوصاً في إقليم كردستان، من تراجع بعض القدرات الدفاعية التي كانت توفرها القوات الأمريكية، ولا سيما في مجال الدفاع الجوي.
وفي قلب المرحلة الجديدة يقف ملف الحشد الشعبي والفصائل المسلحة. فالحكومة العراقية كانت قد ربطت في وقت سابق بين انتهاء الوجود العسكري الأمريكي وبين وضع السلاح خارج مؤسسات الدولة تحت السيطرة الحكومية، غير أن الموعد المحدد لنزع السلاح لم يُنفذ بالشكل الذي كان مطروحاً، وتم تمديد المسار إلى يونيو 2027.
وتزداد صعوبة الملف بسبب اختلاف مواقف الفصائل نفسها؛ فبينما أبدت بعض المجموعات استعداداً للاندماج في المؤسسات الرسمية، ترفض فصائل نافذة التخلي عن سلاحها، وتطرح شروطاً مرتبطة أيضاً بوجود القوات التركية وبالترتيبات الأمنية في إقليم كردستان. لذلك، فإن التحدي أمام بغداد لا يتمثل فقط في جمع الأسلحة، وإنما في فرض سلسلة قيادة موحدة وإنهاء قدرة أي تشكيل مسلح على اتخاذ قرار عسكري خارج مؤسسات الدولة.
أما أمنياً، فإن غياب القوات الأمريكية لا يعني بالضرورة فراغاً أمنياً فورياً. فالقوات العراقية وقوات البيشمركة راكمت خلال السنوات الماضية خبرة واسعة في مواجهة تنظيم “داعش”، فيما تشير الحكومة البريطانية إلى أن التنظيم فقد قدرته على السيطرة الإقليمية داخل العراق. لكن بقاء خلايا متفرقة، إلى جانب التهديدات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة والتوترات الإقليمية، يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة بغداد على تطوير منظومتها الاستخباراتية والدفاعية.
وفي المقابل، قد يمنح الانسحاب الأمريكي إيران وحلفاءها العراقيين هامشاً أوسع للحركة داخل الساحة العراقية، وهو ما يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن في مجالات التدريب والاستخبارات والتسليح، من جهة، ومنع تحول الأراضي العراقية إلى ساحة صراع إقليمي، من جهة أخرى. وتبقى طبيعة العلاقة الأمنية الجديدة بين بغداد وواشنطن عاملاً مهماً في تحديد شكل هذا التوازن خلال المرحلة المقبلة.
أما دول الجوار، فتواجه بدورها واقعاً جديداً. فتركيا ستظل معنية بأمن حدودها الشمالية وبنشاط حزب العمال الكردستاني، بينما تراقب دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، قدرة الحكومة العراقية على ضبط الفصائل المسلحة ومنع استخدام الأراضي العراقية في هجمات عابرة للحدود. وفي سبتمبر الجاري، أعلنت الرياض أنها منحت بغداد فرصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع هجمات من الأراضي العراقية، مع احتفاظها بحق الرد مستقبلاً.
أما إيران، فالعراق سيظل بالنسبة إليها مجالاً مهماً سياسياً وأمنياً واقتصادياً، لكن طبيعة المرحلة الجديدة ستضع الحكومة العراقية أمام اختبار الحفاظ على توازن علاقاتها الإقليمية، وعدم السماح بتحول نفوذ أي طرف خارجي إلى بديل عن سلطة الدولة.
وهكذا، فإن المسألة الأساسية بعد الانسحاب الأمريكي ليست من سيملأ الفراغ، وإنما من سيملك القرار الأمني داخل العراق. فإذا تمكنت بغداد من توحيد السلاح تحت سلطة الدولة، وتعزيز قدراتها الدفاعية والاستخباراتية، وإدارة علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية بتوازن، فقد يتحول الانسحاب إلى بداية مرحلة أكثر استقلالاً في القرار الأمني. أما استمرار تعدد مراكز القوة المسلحة، فيبقي احتمال عودة العراق إلى دائرة التجاذبات الإقليمية قائماً.
وتبقى الأشهر المقبلة حاسمة، ليس فقط بالنسبة إلى العراق، وإنما بالنسبة إلى خريطة الأمن في المنطقة كلها، في انتظار ما ستؤول إليه مهلة يونيو 2027 الخاصة بملف الفصائل المسلحة، وكيف ستتعامل بغداد مع السلاح خارج مؤسسات الدولة، ومع شبكة المصالح المتشابكة بين القوى العراقية والإقليمية والدولية.
