آخر 24 ساعة

الهدر الجامعي.. أرقام مقلقة ونزيف صامت للرأسمال البشري .

عدد المشاهدات: 167

FB IMG 1793042558922

بقلم عادل بن الحبيب

الجمعة 30 أكتوبر 2026 -11:15

كشف عز الدين الميداوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، الاثنين الماضي بالبرلمان، أن نحو نصف الطلبة يغادرون الجامعة خلال السنة الأولى، فيما تتجاوز نسبة البطالة في صفوف خريجي بعض مسالك الإجازة 20%. وحذر الوزير من ارتفاع أعداد الطلبة بنسبة 35% في أفق سنة 2030، مع احتمال بلوغ 200 ألف طالب في بعض الجامعات المغربية، بما يفاقم الاكتظاظ والضغط على المؤسسات الجامعية. هذه الأرقام لا تكشف فقط عن اختلالات داخل منظومة التعليم العالي، بل تضعنا أمام ظاهرة تستحق النقاش بقدر الهدر المدرسي، إن لم يكن أكثر، “الهدر الجامعي”، بما يمثله من خسارة للرأسمال البشري والموارد المالية وفرص التنمية.

وإذا كان السؤال الأول هوأين يذهب نصف الطلبة بعد مغادرتهم الجامعة؟ فإن أسئلة أخرى تفرض نفسها ، ما الأسباب الحقيقية التي تدفعهم إلى الانقطاع؟ وهل يتعلق الأمر بصعوبات مادية، أم باختيارات توجيهية غير ملائمة، أم بضعف في جودة التكوين والتأطير؟ وكم من هؤلاء الطلبة يعودون إلى الدراسة لاحقا، وكم منهم يلتحق بسوق الشغل، ولو في أعمال مؤقتة أو غير مهيكلة؟ وما مصير الذين لا يجدون لا مقعدا جامعيا ولا فرصة عمل؟ ثم كيف تقيس الوزارة هذه الظاهرة، وما الآليات المعتمدة لتتبع مسارات الطلبة بعد مغادرتهم الجامعة؟

فإذا كان الهدر المدرسي يحرم المجتمع من استكمال جزء من أبنائه تعليمهم الأساسي، فإن الهدر الجامعي يأتي بعد سنوات من الاستثمار الأسري والعمومي، ليجد الطالب نفسه خارج الجامعة قبل الحصول على شهادة، أو حاملا لشهادة لا تضمن له الاندماج في سوق الشغل. وهنا تتضاعف الكلفة الاقتصادية، إذ تتحمل الدولة نفقات التأطير والبنيات التحتية والخدمات الجامعية، فيما تتحمل الأسر تكاليف مادية واجتماعية متزايدة، دون أن يتحول هذا الاستثمار بالضرورة إلى كفاءة منتجة. والأخطر أن مغادرة الجامعة قد تدفع بعض الشباب إلى البطالة أو العمل الهش أو الإحباط وفقدان الثقة في جدوى التعليم، بما يوسع الفجوة الاجتماعية ويعمق الإحساس بانسداد آفاق الترقي الاجتماعي.

وتزداد الحاجة إلى تشخيص دقيق لهذه الظاهرة من خلال تحديد الفئات الأكثر عرضة للانقطاع، ورصد الفوارق بين المدن والقرى والتخصصات والمؤسسات، فضلا عن دراسة العلاقة بين الاستفادة من المنحة الجامعية واحتمالات مواصلة الدراسة، كما أن تتبع مسارات الطلبة المنقطعين يظل ضروريا لفهم أوضاعهم وتحديد مدى حاجتهم إلى بدائل دراسية أو مهنية تعيد إدماجهم في مسارات التكوين والإنتاج.

وفي هذا السياق، تبرز المنحة الجامعية باعتبارها أحد الشروط الأساسية لضمان تكافؤ الفرص والحد من الهدر الجامعي، خصوصا في صفوف الطلبة المنحدرين من أسر محدودة الدخل. وتبلغ قيمة المنحة الجامعية 6000 درهم سنويا بالنسبة إلى المنحة الكاملة، و3000 درهم سنويا بالنسبة إلى نصف المنحة، موزعة على ثلاثة أشطر.

ويظل هذا الدعم آلية مهمة لمساعدة الطلبة على تحمل تكاليف التنقل والتغذية والنسخ والمستلزمات الدراسية، غير أن فعاليته تظل مرتبطة بمدى ملاءمته لتكاليف المعيشة المتزايدة، وبانتظام صرفه ووصوله إلى الطلبة المستحقين. كما أن تقييم أثر المنحة في الحد من الانقطاع يقتضي النظر إلى قيمتها الفعلية مقارنة بمصاريف الدراسة والإقامة والتنقل، خصوصا في المدن الجامعية الكبرى، فضلا عن مدى انتظام صرفها وقدرتها على الاستجابة للحاجيات الأساسية للطلبة.

وتطرح قيمة المنحة وقدرتها على تغطية الحد الأدنى من احتياجات الطالب مسألة كفاية الدعم الاجتماعي لضمان الاستمرار في الدراسة. فلا يكفي فتح أبواب الجامعة أمام أبناء الفئات الهشة، ما لم تتوافر لهم شروط الاستمرار فيها.

فالطالب الذي يضطر إلى الاختيار بين تلبية حاجاته الأساسية ومواصلة دراسته، يكون أكثر عرضة للانقطاع، بما يجعل تعزيز الدعم الاجتماعي وتحيينه من العوامل التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند معالجة الهدر الجامعي. وينطبق الأمر نفسه على الأحياء الجامعية والمطاعم والنقل الجامعي، باعتبارها خدمات أساسية تساهم في تخفيف الأعباء عن الطلبة، وهو ما يستدعي تطوير طاقتها الاستيعابية، وتحسين جودة خدماتها، وضمان استفادة الفئات الأكثر حاجة منها. كما يمكن التفكير في صيغ مكملة للدعم، تشمل المساعدات السكنية وتيسير التنقل وإتاحة فرص العمل الجزئي داخل الجامعة، بما يساعد الطلبة على التوفيق بين متطلبات الدراسة وظروفهم الاجتماعية.

ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن اختلال العلاقة بين التكوين الجامعي وحاجيات الاقتصاد الوطني. فارتفاع عدد الخريجين لا يشكل في حد ذاته مؤشرا على التقدم، ما لم يقابله اقتصاد قادر على خلق فرص الشغل واستيعاب الكفاءات، وتكوين يستجيب للتحولات التكنولوجية والقطاعات المنتجة. كما أن الاكتظاظ وضعف التأطير والتوجيه الجامعي، حين يجتمعان مع محدودية فرص التدريب والاندماج المهني، قد يحولان الجامعة إلى محطة عبور نحو البطالة بدل أن تكون فضاء لإنتاج المعرفة والابتكار.

لذلك، فإن معالجة الهدر الجامعي لا تقتصر على الاحتفاظ بالطلبة داخل المدرجات، بل تستوجب مراجعة مسارات التوجيه، وتحسين جودة التكوين، وتطوير الجسور بين الجامعة والمقاولة، وربط بعض التخصصات بحاجيات التنمية دون التضحية بالوظيفة المعرفية والإنسانية للجامعة. ويقتضي ذلك تعزيز التوجيه المبني على ميولات الطلبة وقدراتهم، وتوفير معلومات واضحة حول آفاق التخصصات قبل التسجيل فيها، إلى جانب إشراك المقاولات والقطاعات الاقتصادية في تحديد حاجياتها من الكفاءات والمساهمة في تطوير التكوينات، بما يحد من الفجوة بين الشهادات الجامعية ومتطلبات سوق الشغل.

إن التحدي الذي تطرحه هذه الأرقام يتجاوز تدبير الاكتظاظ أو توسيع الطاقة الاستيعابية للمؤسسات،إنه اختبار لمدى قدرة السياسات العمومية على تحويل الإنفاق على التعليم العالي إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة. فاستقبال أعداد أكبر من الطلبة دون إصلاح عميق قد يوسع دائرة الهدر، كما أن تخفيضه دون معالجة أسباب الانقطاع والبطالة لن يكون سوى تدبير لنتائجه. الرهان الحقيقي ليس أن يلتحق الشباب بالجامعة فحسب، بل أن يتمكنوا من إتمام دراستهم في ظروف ملائمة، ويحصلوا على تكوين يمنحهم فرصا حقيقية للمشاركة في الإنتاج والتنمية. إن الجامعة التي لا تفتح أفقا للمستقبل، تخاطر بأن تتحول من استثمار في الإنسان إلى كلفة مؤجلة على المجتمع والاقتصاد. لذلك، لا بد من الانتقال من مجرد إعلان أرقام الانقطاع إلى بناء سياسة واضحة لتتبع الطلبة، وتشخيص أسباب مغادرتهم، وتوفير مسارات للعودة إلى الدراسة أو الاندماج المهني. فالهدر الجامعي ليس مؤشرا عابرا يمكن تجاوزه بالأرقام، بل تحد بنيوي يستدعي إصلاحا شاملا ومستعجلا يربط بين جودة التكوين، والعدالة الاجتماعية، ونجاعة التوجيه، وآفاق التشغيل، حتى لا تتحول الجامعة من رافعة للارتقاء الاجتماعي إلى محطة لإعادة إنتاج الإقصاء.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *