آخر 24 ساعة

إنها مجرد لعبة… فلماذا نحول كرة القدم إلى معركة هوية؟

عدد المشاهدات: 896

FB IMG 1783606503680

عادل بن الحبيب

الخميس 09 يوليوز 2026 -15:20

كلما خاض منتخب المغرب مباراة مهمة، انفجرت على منصات التواصل الاجتماعي موجة من الخطابات التي تتجاوز حدود الرياضة لتدخل في متاهات السياسة والتاريخ والهويات والصراعات الإقليمية. فجأة، تصبح كرة القدم امتحانا للعروبة، أو مقياسا للوطنية، أو مناسبة لتصفية الحسابات بين الشعوب، وكأن تسعين دقيقة من اللعب تختزل قرونا من التاريخ والجغرافيا.
المفارقة أن كرة القدم، في جوهرها، لا تحمل كل هذه الأعباء. إنها لعبة قائمة على التنافس، وعلى احتمال الفوز والخسارة، ولا تمنح المنتصر تفوقا حضاريا، ولا تجعل المهزوم أقل قيمة. لكن كثيرا من الجماهير تصر على تحميلها ما لا تحتمل، فتتحول مباراة عادية إلى معركة رمزية، ويصبح تشجيع منتخب ما دليلا على الولاء أو الخيانة، بينما تتحول الخسارة إلى مادة للشماتة والإهانة.
ويبدو هذا السلوك أكثر حدة عندما يتعلق الأمر بالمغرب. فكل إنجاز كروي يحققه المنتخب المغربي يقابله، لدى بعض الأصوات، سيل من الاتهامات والتشكيك والتحامل، وربط النتائج الرياضية بقضايا سياسية أو تاريخية لا علاقة لها بالمستطيل الأخضر. وكأن نجاح فريق في تسجيل الأهداف يستوجب إعادة فتح ملفات الحدود والتحالفات والخلافات الدبلوماسية.
والحقيقة أن ما يحققه المغرب في كرة القدم ليس حدثا معزولا عن مساره العام، بل هو امتداد لسياسات واستثمارات متواصلة في البنيات التحتية، والتكوين، والرياضة، إلى جانب التقدم الذي حققته المملكة في مجالات الاقتصاد، والدبلوماسية، والصناعة، والطاقات المتجددة، وجاذبية الاستثمار. لذلك، فإن بروز المغرب إقليميا وقاريا و دوليا بات واقعا يصعب تجاهله، ومن الطبيعي أن يلقى الإعجاب لدى كثيرين، كما انه يثير لدى آخرين قدرا من الحساسية، خاصة عندما تكشف المقارنات تفاوتا في الرؤى والإنجازات. غير أن المنافسة بين الدول لا ينبغي أن تكون في التشكيك في نجاح الآخرين أو التقليل من إنجازاتهم، بل في القدرة على بناء تجارب تنموية تحقق التقدم والازدهار لشعوبها.

إن ربط كرة القدم بالعروبة أو القومية أو الصراعات السياسية يكشف أزمة أعمق من مجرد تشجيع رياضي. إنه يعكس ميلا متزايدا إلى تحويل كل حدث إلى معركة هوية، حتى وإن كان مجرد مباراة تنتهي بصافرة حكم. فالعروبة، إن كانت قيمة ثقافية أو حضارية، لا يمكن أن تختزل في تشجيع هذا المنتخب أو ذاك، والوطنية لا تقاس بعدد المنشورات الساخرة بعد نهاية المباراة.
والأكثر غرابة أن الشعوب العربية نادرا ما تتوحد حول ملفات التنمية والبحث العلمي والاقتصاد والتعليم والابتكار، لكنها تنجح، في كل بطولة كروية، في صناعة انقسامات جديدة بسبب نتيجة مباراة. نتجادل لساعات حول هدف ألغي أو ركلة جزاء، بينما لا نخصص القدر نفسه من النقاش لقضايا أكثر أهمية كالبطالة، وجودة التعليم، والبحث العلمي، والتنافس الاقتصادي، وهي المجالات التي تصنع قوة الأمم فعلا.
كرة القدم، مهما بلغت شعبيتها، تبقى مجالا للترفيه والتنافس الشريف، لا ميدانا لإعادة رسم خرائط الولاءات أو إصدار الأحكام على الشعوب.
من حق كل مشجع أن يختار المنتخب الذي يؤازره، ومن حق كل شعب أن يفرح بإنجازاته الرياضية، لكن ليس من حق أحد أن يحول الرياضة إلى منصة للكراهية أو لتوزيع صكوك الانتماء. فالمنتخبات تتغير، والنتائج تتبدل، والأبطال يسقطون ويعودون، أما العلاقات بين الشعوب فيفترض أن تبنى على الاحترام المتبادل لا على نتيجة مباراة.
وتبقى المملكة المغربية دولة عريقة لا تحتاج إلى إثبات مكانتها من خلال نتيجة مباراة، لأن قيمتها تبنى بما تحققه على أرض الواقع من استقرار، ومؤسسات، وإصلاحات، واستثمارات، وحضور متنام على المستويين الإقليمي والدولي. وما يحققه المغرب في كرة القدم ليس سوى انعكاس لمسار أوسع يقوم على العمل والتخطيط والاستثمار في الإنسان والبنيات التحتية. لذلك، فإن مكانة الأوطان لا تنتزع من مدرجات الملاعب ولا تقاس بهتافات الجماهير، بل تصنع بالإرادة والإنجاز. أما كرة القدم، فستظل مجرد لعبة جميلة، ينتهي أثرها مع صافرة الحكم، بينما تبقى الدول بما تبنيه لشعوبها وما تتركه من أثر في التاريخ.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *