آخر 24 ساعة

من إنجاز الدوحة إلى طموح أمريكا.. كيف أصبح المنتخب المغربي رقماً صعباً في مونديال 2026؟

عدد المشاهدات: 435

FB IMG 1782841554826

صدى المغرب – نورالدين البريرشي

الثلاثاء 30 يونيو 2026 -18:47

لم يعد حضور المنتخب المغربي في نهائيات كأس العالم حدثاً استثنائياً، بل تحول إلى مشروع رياضي متكامل يفرض نفسه في كل نسخة من البطولة. ففي مونديال 2026، الذي تستضيفه الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، يدخل “أسود الأطلس” المنافسات بعقلية مختلفة عن تلك التي رافقت مشاركاته السابقة؛ عقلية تقوم على المنافسة وليس الاكتفاء بالمشاركة، وعلى البحث عن إنجاز جديد يضاف إلى السجل التاريخي لكرة القدم المغربية.

المنتخب الوطني لم يصل إلى هذا المستوى بين عشية وضحاها، بل هو نتاج سنوات من العمل داخل مراكز التكوين، والاستثمار في البنيات التحتية، وتطوير البطولة الاحترافية، إلى جانب نجاح الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في استقطاب لاعبين مغاربة نشأوا في أكبر الأكاديميات الأوروبية، وهو ما منح المنتخب مزيجاً فريداً من الجودة الفنية والانضباط التكتيكي.

في دور المجموعات، وجد المنتخب المغربي نفسه أمام اختبار حقيقي ضمن مجموعة ضمت البرازيل واسكتلندا وهايتي. ورغم قوة المنافسة، أظهر اللاعبون شخصية كبيرة في التعامل مع المباريات، حيث اعتمدوا على الصلابة الدفاعية، والانتقال السريع من الدفاع إلى الهجوم، مع استغلال المساحات والكرات الثابتة، وهي عناصر أصبحت من أبرز نقاط قوة المنتخب خلال السنوات الأخيرة.

نجاح المغرب في التأهل إلى الأدوار الإقصائية لم يكن نتيجة الحظ، بل جاء بفضل تنظيم جماعي واضح، وانسجام بين جميع خطوط الفريق، إضافة إلى الخبرة التي راكمها أغلب اللاعبين في البطولات الأوروبية الكبرى، وهو ما منح المنتخب القدرة على التحكم في نسق المباريات حتى أمام منتخبات تمتلك أسماء عالمية.

جاءت مواجهة هولندا في دور الـ32 لتؤكد أن المنتخب المغربي أصبح يمتلك شخصية المنتخبات الكبيرة. فالمباراة لم تكن سهلة من الناحية البدنية أو الذهنية، غير أن اللاعبين حافظوا على تركيزهم حتى صافرة النهاية، قبل أن يحسموا التأهل عبر ركلات الترجيح، في مشهد أعاد إلى الأذهان الروح القتالية التي ميزت المنتخب المغربي في مونديال قطر 2022.

هذا التأهل يحمل دلالات مهمة، أبرزها أن المنتخب لم يعد يعتمد فقط على الحماس أو المفاجأة، بل أصبح يمتلك خبرة في إدارة المباريات الإقصائية، وهو عنصر أساسي في البطولات الكبرى، حيث غالباً ما تحسم التفاصيل الصغيرة هوية المتأهلين.

منذ توليه قيادة المنتخب، نجح محمد وهبي في بناء شخصية واضحة للفريق الوطني، فالمدرب المغربي لم يغير فقط طريقة اللعب، بل رسخ ثقافة الفوز داخل المجموعة، وأصبح اللاعبون يدخلون كل مباراة بثقة كبيرة، مهما كان اسم المنافس.

ويتميز المنتخب المغربي بمرونة تكتيكية تسمح له بالتكيف مع مختلف السيناريوهات، إذ يستطيع الضغط العالي عندما تقتضي الحاجة، كما يجيد الدفاع المنظم واستغلال المرتدات السريعة، وهو ما جعله من أصعب المنتخبات على مستوى الاختراق وصناعة الفرص ضده.

يعتمد المنتخب المغربي على تركيبة بشرية متوازنة تضم لاعبين ينشطون في أكبر الدوريات الأوروبية، وهو ما يمنحه تنوعاً في الحلول داخل أرضية الملعب.

ويبرز في مقدمة هذا الجيل الحارس ياسين بونو، الذي تحول إلى أحد أفضل حراس العالم بفضل حضوره الذهني وقدرته على حسم اللحظات الحاسمة، إلى جانب القائد أشرف حكيمي، أحد أفضل الأظهرة الهجومية في كرة القدم العالمية، فضلاً عن سفيان أمرابط، وعز الدين أوناحي، وإسماعيل صيباري، ونصير مزراوي وغيرهم من اللاعبين الذين يمثلون مستقبل الكرة المغربية.

ولا تقتصر قوة المنتخب على الأسماء فقط، بل تمتد إلى الروح الجماعية، حيث أصبحت مصلحة الفريق فوق أي اعتبارات فردية، وهو ما يظهر بوضوح في الالتزام التكتيكي والانضباط الذي يميز جميع اللاعبين.

أصبحت مباريات المنتخب المغربي مناسبة توحد ملايين المغاربة داخل الوطن وخارجه، كما تحولت إلى نافذة تعكس صورة المغرب الحديثة أمام العالم، سواء من خلال الأداء الرياضي أو الحضور الجماهيري المميز في مختلف الملاعب.

ولم تعد إنجازات المنتخب تقتصر على الجانب الرياضي، بل امتدت لتشكل مصدر إلهام للأجيال الصاعدة، ورسالة تؤكد أن الاستثمار في الرياضة قادر على تحقيق نتائج عالمية عندما يقترن بالتخطيط والاستمرارية.

بعد تجاوز عقبة هولندا، تنتظر المنتخب المغربي مواجهة جديدة أمام كندا في ثمن النهائي، وهي محطة لن تكون سهلة بالنظر إلى تطور المنتخب الكندي، غير أن المغرب يدخل اللقاء بثقة كبيرة، مدعوماً بخبرة لاعبيه وطموحهم لمواصلة كتابة التاريخ.

ورغم صعوبة المنافسة في الأدوار الإقصائية، فإن المنتخب المغربي أثبت خلال السنوات الأخيرة أنه قادر على مقارعة أكبر المدارس الكروية، وأن سقف طموحه لم يعد يقتصر على بلوغ الأدوار المتقدمة، بل أصبح يحلم بالمنافسة على اللقب، وهو حلم يبدو اليوم أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.

وفي جميع الأحوال، فإن مشاركة المغرب في مونديال 2026 تؤكد حقيقة واحدة؛ وهي أن الكرة المغربية تجاوزت مرحلة المفاجآت، ودخلت مرحلة تثبيت المكانة بين كبار العالم، بفضل مشروع رياضي واضح، وجيل استثنائي من اللاعبين، وجماهير لا تتوقف عن الإيمان بأن القادم قد يكون أجمل مما تحقق حتى الآن.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *