عادل بن الحبيب
السبت 24 يناير 2026 -13:19
لم يعد ما يصدر عن المعلق حفيظ الدراجي مجرد “آراء شخصية” أو “انفعالات لحظة مباراة”، بل أصبح، في نظر كثيرين، خطابا ممنهجا يخلط الرياضة بالسياسة، ويحول التنافس الكروي الطبيعي إلى مادة قابلة للاشتعال بين شعبين تجمعهما أكثر مما تفرقهما الجغرافيا والتاريخ واللغة.
فالرياضة، في جوهرها، مساحة للتقارب والتنافس الشريف، لكن الدراجي اختار مرارا أن يحمل المباريات شحنات زائدة من التأويل، وأن يقرأ الأحداث بعين مشحونة مسبقا، حيث يصبح المغرب دائما “متهما”، وتنظيمه محل تشكيك، وإنجازاته مدعاة للتقليل، وجماهيره موضوع سخرية مبطنة أو اتهام صريح. هذا الانحياز لم يعد خافيا، بل صار نمطا متكررا يفقد التعليق الرياضي حياده ومهنيته.
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لا يتوقف عند حدود النقد الرياضي، بل ينزلق بسهولة إلى خطاب تعبوي تحريضي، يستدعي مفردات المظلومية والمؤامرة، ويغذي مشاعر الكراهية لدى جمهور واسع بحكم القناة التي يشتغل بها. وهنا تكمن الخطورة،حين يتحول المعلق من ناقل للحدث إلى صانع للرواية، ومن وسيط محايد إلى طرف يؤجج الصراع.
وآخر فصول هذا النهج، ما كتبه حفيظ الدراجي مؤخرا في تدوينة أثارت جدلا واسعا، حين وجه انتقادات مباشرة للاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف) والاتحاد الدولي (فيفا)، بسبب ما اعتبره “غياب تهنئة رسمية” للمنتخب السنغالي بعد تتويجه بكأس الأمم الأفريقية. وقد وصف الدراجي الأمر بـ“السابقة الغريبة”، متجاهلا عمدا السياق القانوني الذي يحيط بالمباراة النهائية، ومقدما الموضوع وكأنه موقف عدائي أو تآمري من الهيئات الكروية.
هذا الطرح، في ظاهره دفاع عن السنغال، لكنه في عمقه استمرار لخطاب انتقائي، يتغاضى عن حقيقة أساسية، وهي أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم سلكت المساطر القانونية لدى الكاف والفيفا بخصوص وقائع أثرت على سير النهائي. ووجود ملف قانوني مفتوح يفرض، بحكم الأعراف والمؤسسات، نوعا من التريث الرسمي، لا الاحتفال ولا إصدار بلاغات قد تفهم كحسم مسبق في نزاع لم يغلق بعد.
غير أن الدراجي اختار مرة أخرى منطق الإثارة بدل التحليل، والتشكيك بدل التوضيح، مقدما لجمهوره قراءة أحادية تغذي الجدل وتبقي نار الاحتقان مشتعلة، بدل أن تعيد الأمور إلى إطارها الطبيعي كمنافسة رياضية لها مسارات قانونية، لا معركة هوية ولا صراع شعوب.
ليس المطلوب من الدراجي أن يصفق للمغرب، ولا من أي إعلامي أن يتخلى عن رأيه، لكن الحد الأدنى من المسؤولية يفرض الفصل بين الموقف السياسي والتعليق الرياضي، وبين النقد المشروع والتحريض غير المباشر. فالكلمات، حين تخرج من منصة إعلامية كبرى، لا تعود بريئة، بل تصبح فعلا مؤثرا له تبعات اجتماعية ونفسية. للأسف اختار الدراجي في محطات كثيرة أن يكون رأس الفتنة في خطاب الاستفزاز، وأن يضع صوته في خدمة الانقسام لا المنافسة الشريفة.
نتمنى من القناة التي يشتغل بها الدراجي ، ان تتدخل و تضع حد لمثل هذه التفاهات التي تسوق على أنها “تحليل” وهي في جوهرها شحن وتحريض مقنع لانها معنية أخلاقياو مهنيا . فالإعلام ليس ملكا لأهواء المعلقين، ولا منصة لتصفية الحسابات أو تصدير عقد سياسية عبر كرة القدم.
وفي المقابل، يبقى الرد واجبا من إعلامنا، لا بمنطق السب والانحدار إلى نفس المستنقع، بل برؤية حضارية واثقة، تفكك الخطاب، وتفضح التناقض، وتضع الأمور في سياقها القانوني والمؤسساتي، دون ضجيج . الرد الذكي هو الذي يحرج امثاله، لا الذي يمنحه مادة إضافية للتغذية على الفوضى.
فالمعركة الحقيقية ليست مع معلق، بل مع خطاب متخلف يسيء للرياضة وللإعلام معا ، ومن ينتصر فيها ليس من يعلو صوته، بل من يحافظ على مستواه… ويترك الآخر عاريا أمام جمهوره.




