محسن الأكرمين.
الجمعة 27 فبراير 2026 -16:48
تعدو الأيام بالتباع ونَحن نُغير أقنعة وجوهنا بتغير السياق والمواقف الحياتية، وفي هذا التراكم أشعر أحيانا أن وجهي ليس لي ولا أمتلكه بتاتا، بل هو مُغلق ومُغلَّف من ركد التعب والهروب من الخوف. حقيقة مطلقة بالإدراك الوصفي، أن الوجوه تتنوع بتنوع شظايا المرايا المتناثرة من بعض الأحداث، فقد يكون يوما وجهي مكدودا ومنكسرا بالندوب العارية، ومرات أخرى قليلة تجد وجهي طافحا بالحياة، مزهرا بالحلم والأمل.
من ثورة وجهي على ذاتي الآنية أنه يحب الصمت، ومرات أخرى عديدة يخالفني في نسب الصمت، والصوم عن الثرثرة والكلام المباح. لكني في صميم عمق تفكيري، كنت أؤمن بلغة الصمت المكتملة والإنتشاء من ملامح وجهي العاقل، وحينها كنت لا أحاول معاكسة وجهي بالثرثرة الفوضوية.
نعم سياسة تنوع الوجوه تُلاحقنا جميعا بين الحقيقة وظن السوء، ولما لا القناعة بالعري العاطفي البئيس. حين ذاك كان وجهي يلاحقني بالمساءلة والمحاسبة العصية، وقد أبيت لحظتها أستمع إلى أصوات ذاتية مخيفة، وترعبني أشد رهبة حين تساءلني بالاستنكار الذي يمحو وجودي وكياني وعالمي، لكني أترزن ولا أثور على ملامح وجهي، وبحق المكاشفة فقد لا أمتلك وفرة من الشجاعة كي أضع حدا لاستبداد وجهي الظالم والماكر.
في معرفة النزر القليل من فكر الوجودية، تعرفت أنها تضع الفرد في مواجهة ذاته أولا وبعدها العالم ثانيا. كنت أشك خيفة من وجهي الصامت في أن أقع تحت ضغطه وأمارس ملامح الاستبداد على عالمي ووحدة محيطي، من تم كنت أرتكز قناعة من حكمة لغة الصمت المكتملة في الوجود النوعي.
من مستملحات وجهي الغافلة، حين دعاني بصمت التمهل وإطالة عمق الرؤية في الممكنات، حينها أحسست أن وجهي يلاحقني بالرج حتى في تفكيري الخامل. كنت ذكيا لحظتها، حين تقشفت في كلامي لكي أماثله، وجعلت من وجهي يلازم الصمت بالابتسامة، ويلعب على لغة الانصات، وهو يستعير علامات تعجب نبض الغباء.
في صمت وجهي المستديم، رأيته يبحث عن وجه آخر كي يكون أنيسا له. لحظتها مارست عقلانية البرودة الظاهرية، وتقمص جمالية الهدوء الرتيب بالتأني، إنها بحق تجربة من نوايا الجسد الماكر والنفس الأمارة بالسوء والتي كانت تستفزني طواعية، وتترقب: هل حقا سأطلق الصمت بحضور أنيس وجهي الآخر في المرآة أم لا؟
طيلة عمري الصامت، يظل ملمح وجهي يفضحني ببقايا الثرثرة المتسربة بالأنانية. عندها لم أرغب في أن أكون شخصا آخر معاديا لذاتي ووجودي المتواضع. لم أرغب في أن أكون مرئيا تحت ضياء الكشف الإكلينيكي، بل وددت أن أكون مرئيا من داخل ذاتي فقط، وهو ربح صعب الكسب والامتلاك. وفي هذا الاختبار الأخير، لم أكن حرا في اختياراتي، بل حاولت بكل جهد من تأسيس سد يقطع الشعور بالوحدة والاستماع إلى أنين الصمت الداخلي، وقياس الضغط النفسي الذي لا يقاس بآلة.
في صمت وجهي صنعت بالرغبة وجها محايدا عن الوجوه الأخرى المتداولة بالتقسيط والجملة، والتي غالبا ما تتكدس خلف أقنعة الرياء والبلاهة وحتى التفاهة. هي تجربة تُعاش بالمقايسة والمعاينة الحقيقية، وليست من روايات الخيال والأزلية. لم أحارب يوما وجهي بالتضاد وهو سعيد بتمثل الصمت، أو حتى وهو يقف عند حافة الانكسار. قد أفرح برهة، حينما أستنتج أن الصمت أكثر دلالة من الكلام البليغ والفصيح والدارجي، لكن وجهي العاطفي والإنساني يفضحني بعريه المباح على رفض الصمت كلغة متكاملة.
في مساءلة وجهي المحايد تحت طائلة الصمت والمنزوع الذاكرة والهوية، كنت أحتاج أن أقوم قيام الهارب من ذاتي وزماني ومكاني وعشيرتي، والفرار بلا حدود تموضع، وبلا أقنعة واقية من حياة الصمت، حتى ولو كانت الخلفية تُزهر بالسعادة والأناقة. وعند بداية هروبي تعلمت صدق صمت وجهي، حتى ولو كانت كل الوجوه المتدنية بالبلاهة والتفاهة منزوعة الذاكرة وتحارب البرودة الصامتة الذكية.




