
عادل بن الحبيب
الاثنين 27 أبريل 2026 -13:21
لا يمكن النظر إلى إعلان سويسرا دعمها لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها “الأساس الأكثر جدية ومصداقية” كحدث معزول أو مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل هو مؤشر دال على تحولات أعمق في مقاربة المجتمع الدولي لقضية الصحراء المغربية، وعلى المكانة التي بات يحتلها المغرب داخل توازنات العلاقات الدولية.
أولى دلالات هذا الموقف تكمن في مصدره. فسويسرا، التي راكمت عبر عقود صورة الدولة المحايدة، لا تنخرط عادة في مواقف حادة أو منحازة، بل تزن خطواتها بدقة وفق معايير الاستقرار والواقعية. وبالتالي، فإن توصيفها للمبادرة المغربية بهذا الوضوح يعكس انتقال النقاش الدولي من مرحلة “تدبير النزاع” إلى مرحلة “ترجيح الحل”، حيث لم يعد الحياد يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطروحات، بل التمييز بين ما هو قابل للتطبيق وما هو مجرد تصور نظري.
الدلالة الثانية ترتبط بتعزيز مصداقية المقترح المغربي داخل المنتظم الدولي. فكلما انضمت دولة ذات ثقل رمزي ودبلوماسي إلى قائمة الداعمين، تعززت صورة المبادرة باعتبارها الخيار الأكثر واقعية. وهذا ما يتقاطع مع مواقف قوى وازنة مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، ما يجعل من الدعم السويسري لبنة إضافية في بناء إجماع دولي متدرج، لم يعد يترك هامشا واسعا للأطروحات المنافسة.
أما الدلالة الثالثة، فتتجلى في انسجام هذا الموقف مع التوجه العام داخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي بات يركز بشكل متزايد على الحلول الواقعية والعملية. إشادة سويسرا بقرارات المجلس، وتأكيدها على قابلية الحكم الذاتي للتطبيق، يعزز فرص الدفع نحو تسوية نهائية للنزاع تحت إشراف الأمم المتحدة.
من جهة أخرى، يحمل هذا التطور دلالة استراتيجية تتجاوز البعد السياسي، إذ يعكس إدراكا متناميا لأهمية الاستقرار في منطقة شمال إفريقيا والساحل. فالدول لم تعد تنظر إلى النزاع فقط من زاوية قانونية أو تاريخية، بل من زاوية تأثيره على الأمن الإقليمي والتنمية. وفي هذا الإطار، ينظر إلى مبادرة الحكم الذاتي كحل يوازن بين احترام السيادة وضمان الاستقرار، وهو ما يفسر تنامي القناعة الدولية بجدواها.
كما أن الموقف السويسري يسلط الضوء على نجاح الدبلوماسية المغربية في اعتماد مقاربة تراكمية قائمة على النفس الطويل. فالمغرب لم يراهن على مواقف ظرفية، بل اشتغل على بناء قناعة دولية تدريجية، مستفيدا من التحولات الجيوسياسية ومن قدرته على تقديم مبادرة واقعية وقابلة للتطبيق. وهذا ما يجعل كل دعم جديد ليس مجرد إضافة رقمية، بل تأكيدا على صلابة هذا المسار.
في المقابل، تضع هذه التحولات الأطراف الأخرى أمام تحد حقيقي، يتمثل في محدودية الخيارات المتاحة. فمع تزايد عدد الدول التي تعتبر الحكم الذاتي الحل الأكثر جدية، يتقلص هامش المناورة، وتصبح الحاجة ملحة لإعادة تقييم المواقف في ضوء واقع دولي متغير لم يعد يقبل بإدامة النزاعات المفتوحة.
في المحصلة، يكشف الموقف السويسري عن لحظة مفصلية في مسار قضية الصحراء المغربية، حيث لم يعد الرهان على كسب المواقف بقدر ما أصبح على ترجمة هذا الزخم إلى مسار سياسي واضح يفضي إلى الحل. وبين تراكم الدعم الدولي وتراجع الأطروحات البديلة، يبدو أن المغرب ينجح تدريجيا في تحويل قضيته الوطنية إلى قضية تحظى بقبول دولي متزايد، ليس فقط من حيث الشرعية، بل أيضا من حيث الواقعية وقابلية التنفيذ.

