
بقلم عادل بن الحبيب
الجمعة 24 أبريل 2026 -11:16
“حتى يتعلم الأسد الكتابة، ستظل كل القصص تمجد الصياد” ليست مجرد حكمة متداولة، بل هي مدخل تحليلي لفهم أحد أعمق أشكال الصراع في التاريخ الإنساني،صراع السيطرة على الرواية. فبينما تحسم بعض المعارك في الميدان، تحسم أخرى—الأكثر تأثيرا—في الإعلام والنصوص، والخطابات، والصور التي تبث للعالم.
في المشهد التقليدي، يعود الصياد إلى قريته محملا بحكايته، يروي تفاصيل مغامرته ويصوغ بطولته كما يشاء، بينما يظل الأسد، رغم قوته، خارج دائرة السرد. ليس لأنه لا يملك الحقيقة، بل لأنه لا يملك وسيلة نقلها. هكذا تتشكل فجوة خطيرة بين ما وقع فعلا، وما يتم توثيقه وتداوله، فجوة تصنعها القدرة على التعبير لا حقيقة الحدث.
هذا المنطق لم يتغير، بل تعقد في عصرنا الحديث. اليوم، لم تعد “الكتابة” مجرد فعل ثقافي بسيط، بل أصبحت منظومة متكاملة من الإعلام، والتكنولوجيا، والخوارزميات التي تتحكم في تدفق المعلومات وتعيد ترتيبها وفق مصالح محددة. في هذا السياق، تتحول الرواية إلى أداة نفوذ، تستخدم لإعادة تعريف الأدوار،قد يقدم المعتدي في صورة الضحية، وتهمش معاناة الطرف الآخر، فقط لأنه لا يملك منصة فعالة أو خطابا قادرا على الوصول.
في هذا السياق، تبرز إشكالية أكثر خطورة، تتمثل في أن العديد من الأحداث لا يتم فقط تغييب حقيقتها، بل يعاد تشكيلها وتشويهها بالكامل، ليس بناء على الوقائع، بل وفق قدرة من يرويها على إيصال صوته. فكم من رواية انتشرت وفرضت نفسها كـ“حقيقة” لمجرد أن صاحبها يمتلك المنبر الأوسع والتأثير الأقوى، رغم افتقارها للعدالة أو الدقة. هنا، لا يعود معيار الصواب مرتبطا بالوقائع، بل بمدى الانتشار والقدرة على الإقناع، وهو ما يعمق أزمة الثقة ويجعل من الرأي العام ساحة مفتوحة للتلاعب بالسرديات أكثر من كونه مرآة للحقيقة.
إن ما نشهده اليوم هو صراع على “الشرعية السردية”، حيث لا يكفي أن تكون على حق، بل يجب أن تكون قادرا على إقناع العالم بهذا الحق. فالحقيقة لم تعد غائبة، لكنها غالبا محجوبة أو مغلفة بسرديات أكثر قوة وانتشارا. ولهذا يقال إن الحقيقة أول ضحايا الحروب، لكن الأدق أن الحقيقة تصبح رهينة لدى من يمتلك أدوات إنتاجها وتوزيعها.
في هذا الإطار، يمكن فهم “الأسد” كرمزللقضايا التي تملك مشروعية أخلاقية، لكنها تعاني من ضعف في إيصال صوتها. أما “الصياد”، فهو كل من يمتلك القدرة على صياغة الرواية وترويجها، سواء عبر الإعلام التقليدي أو المنصات الرقمية الحديثة. وبين الطرفين، تتحدد صورة العالم في أذهان المتلقين.
ورغم أن التحول الرقمي أتاح فرصا غير مسبوقة لكسر هذا الاحتكار، فإن التحدي لم يحسم بعد. صحيح أن المنصات الجديدة منحت إمكانية التعبير، لكنها في الوقت ذاته خلقت فضاء مشبعا بالضجيج والمعلومات المتضاربة، حيث يصعب على الصوت الحقيقي أن يبرز دون أدوات احترافية واستراتيجية واضحة.
من هنا، يصبح “تعلم الأسد للكتابة” أكثر من مجرد استعارة ،إنه دعوة لامتلاك أدوات العصر،المعرفة، والتكنولوجيا، والقدرة على بناء خطاب مؤثر. فالمعركة لم تعد فقط حول ما حدث، بل حول كيف يروى ما حدث، ومن يملك حق تقديمه للعالم.
في النهاية، تضعنا هذه الفكرة أمام خيار حاسم، إما أن نظل موضوعا في قصص يكتبها الآخرون، تحدد فيها أدوارنا مسبقا، أو أن نتحول إلى فاعلين في كتابة روايتنا الخاصة. فالتاريخ لا ينصف الصامتين، والحق الذي لا يروى بوضوح وقوة، قد يضيع في زحام السرديات المتنافسة.

