
الدكتور يوسف عبو
الجمعة 01 ماي 2026 -16:08
في إطار الدينامية العلمية التي تشهدها الجامعة المغربية، وسعياً إلى مد جسور التواصل بين البحث الأكاديمي الرصين والحاجيات المجتمعية الملحة، نظّم مختبرُ الدراسات النفسية والفكرية يومي 27 و28 أبريل 2026، بشراكةٍ مع كليةِ الآداب والعلوم الإنسانية-ظهر المهراز بفاس، وبدعمٍ من رئاسةِ جامعةِ سيدي محمد بن عبد الله، والمركزِ الوطني للبحث العلمي والتقني، وجهةِ فاس-مكناس، الملتقى الوطني الأول للسيكولوجيين الدكاترة تحت شعار: البحث السيكولوجي في خدمة المجتمع المغربي، وذلك تكريما للبروفيسور بنعيسى زغبوش (أستاذ علم النفس بجامعة سيدي محمد بن عبد الله).
جاء هذا الملتقى الذي أشرف على تنسيق أشغاله الدكتور عبد الله الإدريسي (أستاذ علم النفس بجامعة سيدي محمد بن عبد الله) تحت شعار “البحث السيكولوجي في خدمة المجتمع المغربي”، ليشكل محطة استثنائية للاحتفاء بالبحث العلمي المتخصص وتكريم القامات العلمية التي أرست قواعد السيكولوجيا بالمغرب، ممثلة في شخص البروفيسور بنعيسى زغبوش، وبحضور ضيف الشرف، الأستاذ الغالي أحرشاو، أحد مؤسسي علم النفس المغربي بالمغرب والوطن العربي. وقد سعى الملتقى عبر يومين من المداولات العلمية والورشات التكوينية إلى رسم خارطة طريق للباحثين الشباب، تزاوج بين الصرامة المنهجية والالتزام الأخلاقي والنزاهة العلمية.
انعقدت هذه التظاهرة العلمية الوطنية التي بقاعة الندوات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس، وشهدت حضورا وازنا للأساتذة والباحثين والطلبة المنتمين إلى حقل النفس، سواء من داخل جامعة سيدي محمد بن عبد الله أو من خارجها.
وتتجلّى أهمية الملتقى الأول للسيكولوجيين الدكاترة في كونه يشكل فضاءً علميًا وطنيًا يجمع نخبة من الأساتذة الباحثين وطلبة الدكتوراه، بما يتيح فرص تبادل الخبرات وتلاقح الأفكار، ويسهم في تعزيز دينامية البحث في مجال علم النفس. كما يهدف إلى تثمين الإنتاجات العلمية الوطنية، وتشجيع الباحثين الشباب على الانخراط في قضايا المجتمع من خلال مقاربات علمية رصينة. كما تنبع راهنيّته من انسجامه مع التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي يشهدها المغرب، والتي تفرز تحديات نفسية وسلوكية متزايدة، مما يجعل من البحث السيكولوجي أداة أساسية لفهم هذه التحولات ومواكبتها. وفي هذا الإطار، فقد اكتسى شعار الملتقى “البحث السيكولوجي في خدمة المجتمع المغربي” دلالة استراتيجية، بوصفه يعكس توجهًا نحو ربط المعرفة العلمية بالحاجات المجتمعية، والمساهمة في تطوير ممارسات مهنية قائمة على أسس علمية.
تضمّن برنامج هذه الدورة المتميزة جلسة افتتاحية وتكريمية سميت ب “جلسة الوفاء والاعتراف” ترأسها الأستاذ الدكتور عدنان التزاني (رئيس شعبة علم النفس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز)، حيث افتُتحت بكلمات رسمية للسيد عميد الكلية ومدير المختبر، أكدت على دور الجامعة في معالجة القضايا المجتمعية الراهنة، فضلا عن الإشادة بالروح العلمية والإنسانية التي يتحلى بها الأستاذ المحتفى به، بنعيسى زغبوش. كما شهدت الجلسة “لحظة وفاء” تمثلت في تكريم البروفيسور بنعيسى زغبوش، حيث قدم الأستاذ الغالي أحرشاو شهادة عميقة استعرض فيها مسار المحتفى به، مبرزاً دوره في إدخال الروح العلمية التجريبية للبحث السيكولوجي المغربي وأنسنة العلاقات البيداغوجية. من جهته، أعرب رئيس الجلسة عن ارتياحه لتنظيم مثل هذه الملتقيات، كما ثمن فكرة الاحتفاء، حيث قدم شهادة في حق المحتفى به. وقد أكد المتدخلون على أن علم النفس في المغرب لم يعد حبيس الجدران النظرية، بل أضحى فاعلاً أساسياً في التنمية البشرية والمؤسساتية.
الجلسة العلمية الأولى، كانت في موضوع سيكولوجيا العمل والوظائف التنفيذية، وتناولت المحاور التالية: بحث العلاقة بين ممارسة الرياضات الذهنية (الشطرنج) وتطوير الوظائف التنفيذية- دراسة آليات الكبح المعرفي لدى الأطفال المصابين باضطراب نقص الانتباه (TDAH)- استعراض تقنيات الـ Neurofeedback كأداة حديثة لتحسين الأداء المعرفي- تحليل الرضا الوظيفي والالتزام التنظيمي داخل المؤسسات المغربية. أمّا الجلسة العلمية الثانية، فكانت في موضوع التكنولوجيا، الصحة، والهوية المهنية، وانتظمت محاورها في ما يلي: تحولات الهوية المهنية للموارد البشرية في ظل اقتحام الذكاء الاصطناعي لسوق العمل- دراسة ظاهرة “الإجهاد التقني” (Technostress) وكيفية تكيّف الأطر الصحية مع الضغوط الرقمية- فعالية العلاج بالواقع الافتراضي (Virtual Reality) في مواجهة اضطرابات القلق- أهمية الميول المهنية في توجيه الطاقات الشابة نحو المسارات الدراسية والمهنية المناسبة. بينما تناولت الجلسة العلمية الثالثة موضوع التقييم النفسي-العصبي والاشتغال الذهني من خلال المحاور التالية: سيكولوجيا الرياضة: تأثير الأحداث الصدمية على الأداء التنافسي لنخبة الرياضيين- التقييم الكلينيكي: محورية التقييم النفسي-العصبي في فهم حالات الإدمان والتعاطي- صعوبات التعلم: دراسة الاشتغال الذهني والعمليات المعرفية لدى الأطفال المعسرين قرائياً (Dyslexia)- سيكولوجيا الشيخوخة: قياس القدرة على التعرف على الانفعالات عبر التعبيرات الوجهية لدى المسنين. الجلسة العلمية الرابعة والأخيرة، قاربت موضوع التحليل السيكولوجي للقضايا الاجتماعية والنمائية، من المداخل التالية: تحليل الهشاشة النفسية وآليات المرونة (Resilience) في مواجهة الصدمات الاجتماعية – تمثلات المرض النفسي في المخيال الشعبي المغربي وأثرها على جودة المسار العلاجي – اضطراب طيف التوحد: تحديات التشخيص المبكر واستراتيجيات الدمج التربوي والاجتماعي.
هذا، وقد تضمن برنامج الملتقى في دورته الأولى ورشة علمية في موضوع: عتبات النشر الدولي وأخلاقيات البحث أطّرتها الأستاذة الدكتورة غزلان مرزاق (أستاذة علم النفس بجامعة محمد الأول بوجدة) ركزت فيها على الجانب التقني الصرف، حيث قدمت توجيهات حول كيفية صياغة العناوين والملخصات للمجلات المصنفة (Scopus, DOAJ).، والتمييز بين الاقتباس المشروع والانتحال العلمي باستخدام برامج مثل (iThenticate).، وضرورة الحصول على موافقات “لجان الأخلاقيات” واحترام خصوصية المبحوثين، كما أكدت على أهمية الصدق العلمي في عرض النتائج الإحصائية، مؤكدة أن “البحث العلمي نزاهة قبل كل شيء”.
جدير بالذكر، أنّ “الملتقى الوطني الأول للسيكولوجيين الدكاترة” بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، مثّل لحظة فارقة في مسار البحث السيكولوجي المغربي؛ إذ نجح في تقديم قراءة علمية رصينة لواقع المجتمع وإشكالاته من خلال عيون باحثين شباب يجمعون بين المعرفة الأكاديمية والغيرة على الصالح العام. كما أثبتت مداولات الملتقى، بدءاً من الجلسات العلمية التي غطت حقولاً سيكولوجية متعددة، ووصولاً إلى الورشات التكوينية النوعية والتوصيات الختامية، أن الطريق نحو بناء “سيكولوجيا مغربية” فاعلة يمر حتماً عبر مسارين متوازيين: الأول هو الانفتاح على أحدث التقنيات والبروتوكولات الدولية والذكاء الاصطناعي، والثاني هو الالتزام الصارم بأخلاقيات المهنة والنزاهة العلمية، وهو النهج الذي تجسد في تكريم البروفيسور بنعيسى زغبوش بصفته رمزاً لهذا التفاني.
إن هذا الملتقى ليس مجرد حدث علمي عابر، بل هو “بيان معرفي” يؤكد أن السيكولوجي المغربي اليوم مؤهل لاقتراح الحلول وصياغة الاستراتيجيات التي تخدم الصحة النفسية والرفاه الاجتماعي. وعليه، فإن التوصيات المتمخضة عنه تضع على عاتق المؤسسات الجامعية والباحثين مسؤولية الاستمرارية، ليكون هذا الملتقى منصة سنوية مستدامة تجمع الشتات العلمي وتوحد الرؤى، خدمةً للإنسان المغربي ورقياً بالبحث العلمي الوطني نحو آفاق العالمية.

