آخر 24 ساعة

المنظّر السياسي والممارس السياسي والفاسد السياسي.

عدد المشاهدات: 165

بقلم عادل بن الحبيب

الأربعاء 06 ماي 2026 -17:34

ليست السياسة، كما يتصورها كثيرون، مجرد صراع على السلطة أو منافسة انتخابية عابرة، بل هي في جوهرها مجال معقد تتقاطع داخله الأفكار بالمصالح، والمبادئ بالإكراهات، والأخلاق بالواقعية.

ومن هنا يصبح من الضروري التمييز بين ثلاثة نماذج تتحرك داخل الحقل السياسي بطرق مختلفة، المنظّر السياسي، والممارس السياسي، والفاسد السياسي. فعدم التمييز بين هذه النماذج هو ما يجعلنا في بعض الأحيان نقع في أحكام متسرعة تخلط بين البراغماتية والانتهازية، وبين التنازل التكتيكي والسقوط الأخلاقي.

المنظّر السياسي يعيش داخل عالم الفكرة، إنه الشخص الذي يشتغل على المبادئ الكبرى، ويرسم صورة المجتمع كما ينبغي أن يكون لا كما هو موجود فعلا.

ولذلك يبدو دائما أكثر نقاء وانسجاما مع خطابه، لأنه لا يتحمل عبء السلطة اليومية ولا يصطدم مباشرة بتعقيدات الواقع. فالمنظّر يستطيع الدفاع عن العدالة المطلقة والديمقراطية الكاملة والشفافية التامة دون أن يجد نفسه مضطرا لتدبير ميزانية محدودة أو مواجهة ضغط اجتماعي أو حسابات توازنات معقدة.

إنه يؤدي وظيفة ضرورية و مهمة في أي مجتمع، لأنه يحافظ على حضور “المثال” حتى لا تتحول السياسة إلى مجرد إدارة باردة للمصالح. وجوده يشبه وجود البوصلة، قد لا يقود السفينة بنفسه، لكنه يمنعها من فقدان الاتجاه.

في المقابل، يتحرك الممارس السياسي داخل منطقة أكثر قسوة وتعقيدا. فهو لا يشتغل في عالم الأفكار المجردة، بل داخل واقع مليء بالتناقضات والإكراهات وموازين القوى. الممارس لا يسأل نفسه فقط، ما القرار المثالي؟ بل يسأل أيضا،ما القرار الممكن؟ وما كلفته السياسية والاجتماعية والاقتصادية؟ وهنا تظهر البراغماتية باعتبارها جزء من طبيعة الفعل السياسي، لا باعتبارها خيانة تلقائية للمبادئ.

فالممارس الحقيقي قد يضطر إلى تقديم تنازلات جزئية من أجل حماية مشروع أكبر، أو تأجيل إصلاحات معينة لأن الظروف لا تسمح بتمريرها دفعة واحدة. وفي كثير من الأحيان، لا يكون أمامه الاختيار بين “الخير والشر”، بل بين ضررين أو بين مصلحتين متعارضتين.

​وهنا نفهم لماذا قال مانديلا إن “المعارضة أسهل من ممارسة السلطة “. فالمعارض يستطيع أن يرفع سقف الخطاب الأخلاقي إلى أقصى حد، لأنه لا يتحمل نتائج القرار المباشرة، بينما يجد المسؤول نفسه مجبرا على اتخاذ قرارات قد لا تكون شعبية لكنها ضرورية لتفادي أزمات أكبر. . فحين يدخل السياسي إلى دائرة التدبير، يكتشف أن الواقع لا يتحرك بمنطق الشعارات، بل بمنطق التوازنات المعقدة والإمكانات المتاحة.

لكن المشكلة الحقيقية ليست في المنظّر ولا الممارس لانهما مهمان في اي مجتمع ، بل مع الفاسد السياسي، لأنه يمثل انحرافا عن الاثنين معا. فالفاسد لا يحمل هم الفكرة كما يفعل المنظّر، ولا يتحمل مسؤولية التدبير كما يفعل الممارس، بل ينظر إلى السياسة باعتبارها فرصة للنفوذ الشخصي وتوزيع الامتيازات وصناعة الولاءات.

إنه لا يتحرك بمنطق المشروع، بل بمنطق الغنيمة. وإذا كان الممارس قد يضطر أحيانا إلى التنازل حفاظا على الممكن، فإن الفاسد يحول التنازل إلى أسلوب دائم للارتزاق السياسي.

الأخطر من ذلك أن الفاسد غالبا لا يظهر بوجهه الحقيقي، بل يختبئ خلف خطاب “الواقعية” و”المصلحة العامة”. فهو يستعمل لغة البراغماتية لتبرير الانتهازية، ويتحدث عن الضرورات السياسية بينما يكون الهدف الحقيقي هو حماية مصالحه الخاصة .

لذلك من الخطأ الكبير الخلط بين الممارسة السياسية والفساد السياسي، لأن ليس كل تنازل فسادا، وليس كل براغماتية خيانة للمبادئ. الفرق شاسع بين من يساوم على بعض التفاصيل لإنقاذ مشروع سياسي، وبين من يساوم على المشروع نفسه من أجل إنقاذ مصالحه الشخصية.

الممارس الحقيقي قد يخسر شعبيته وهو يحاول تمرير إصلاحات وقرارات غير شعبية ، أما الفاسد فهو مستعد للتضحية بكل شئ مقابل استمرار نفوذه. الأول قد يرتكب أخطاء سياسية بحكم تعقيد الواقع، لكن الثاني يحول السياسة إلى تجارة دائمة تقوم على الريع واستغلال السلطة.

وفي النهاية، لا يمكن لأي مجتمع أن يستغني عن المنظّر، لأنه يحافظ على يقظة الضمير الجماعي ويمنع السياسة من السقوط الكامل في الحسابات الباردة، كما لا يمكنه الاستغناء عن الممارس، لأنه وحده القادر على تحويل جزء من الأفكار إلى واقع ملموس.

لكن الخطر يبدأ حين يختلط الممارس بالفاسد، أو حين يصبح الفساد مغطى بشعارات الواقعية السياسية. عندها تتحول السياسة من وسيلة لخدمة الصالح العام إلى مجرد سوق للمصالح الخاصة، ويصبح المواطن عاجزا عن التمييز بين التدبير الضروري والانحراف المقصود.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *