
بالقاسم مغفور
الأربعاء 06 ماي 2026 -14:50
ليس من قبيل المبالغة القول إن المعرض الدولي للنشر والكتاب قد تحوّل، في الوعي الجماعي، إلى ما يشبه “عيدًا ثقافيًا” سنويًا. غير أن هذا الوصف، على جاذبيته، يطرح سؤالًا لا يمكن القفز عليه: هل نحن فعلًا أمام احتفاء بالقراءة بوصفها فعلًا معرفيًا يوميًا، أم أمام احتفاء بالكتاب وتلميعٍ لصورة الثقافة فحسب؟
في الظاهر، يبدو المشهد مطمئنًا: زخم بشري، حضور إعلامي مكثف، ندوات، توقيعات، ميكروفونات، صور ونقاشات؛ وكأننا أمام موسم احتفاء جماعي بـ“الكلمة”. لكن خلف هذا الوهج، تكشف الأرقام، ببرودها المعتاد، واقعًا أقل احتفالية.
فوفق معطيات حديثة لسنة 2024، لا يخصص المغربي سوى نحو 67 ساعة سنويًا للقراءة، أي ما يعادل أقل من ست دقائق يوميًا، وبمعدل لا يتجاوز 2.97 كتابًا في السنة للفرد، بينما لا يتعدى إنفاقه على اقتناء الكتب 35 درهمًا سنويًا. وعلى المستوى المقارن، صُنّف المغرب في المرتبة 92 عالميًا من أصل 102 دولة ضمن مؤشر الدول الأكثر قراءة.
ولا تقف المؤشرات عند هذا الحد؛ إذ تُبرز تقارير وطنية، من بينها معطيات المندوبية السامية للتخطيط، أن نسب القراءة المنتظمة تظل محدودة جدًا، وأن جزءًا مهمًا من الشباب لا يمارس القراءة خارج الإطار المدرسي أو الجامعي. وهي معطيات لا تعكس مجرد فتور عابر، بل تشير إلى اختلال بنيوي في علاقة المجتمع بالقراءة بوصفها ممارسة يومية.
هنا تتبدّى المفارقة في أقصى درجاتها: خطاب ثقافي مرتفع السقف يقابله سلوك قرائي هش. وبينهما مساحة رمادية تتكاثر فيها طقوس ثقافية تُحاكي الفعل دون أن تُنتجه. فالمعرض، الذي يُفترض أن يكون لحظة لتجديد الصلة بين القارئ والكتاب، ينزلق،جزئيًا،نحو منطق الحدث: فضاء للظهور، وتبادل الرمزية، والتقاط الصور، أكثر من كونه لحظة تأسيس لعلاقة مستدامة بين القارئ والنص. بذلك، يُختزل الكتاب في رمزيته، ويُستدعى الكاتب بوصفه واجهة، بينما يغيب الفاعل الأصلي: “القارئ”.
ولعل أخطر ما في هذا التحول ليس طابعه الاحتفالي في حد ذاته، بل قابليته لأن يُقدَّم بديلًا عن سياسة ثقافية حقيقية.
فحين يُقاس “نجاح” التظاهرات بعدد الزوار لا بعدد القراء الذين تُنجبهم، وحين تُختزل الثقافة في كثافة الحضور لا في عمق الأثر، نكون بصدد إعادة تعريف صامتة للثقافة نفسها، تُزاح فيها القراءة من المركز إلى الهامش.
ولا يمكن، بطبيعة الحال، فصل هذا الوضع عن عوامل بنيوية معروفة: محدودية السياسات العمومية الموجهة لدعم القراءة، هشاشة البنيات التحتية الثقافية، غلاء الكتاب قياسًا بالقدرة الشرائية، فضلًا عن التحولات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط التلقي والمعرفة. غير أن الاكتفاء بهذه التفسيرات ينطوي على قدر من التبسيط؛ إذ إن جزءًا من الأزمة يتصل أيضًا بتحول مفهوم “المثقف” داخل الفضاء العمومي، حيث بات الحضور الرمزي، في كثير من الأحيان، يتقدم على إنتاج المعرفة، وتُقاس القيمة بمدى الانتشار لا بعمق التأثير.
من هذا المنظور، لا تبدو الأزمة أزمة قراءة فحسب، بل أزمة معنى ووظيفة. فالمجتمع الذي يحتفي بالكتاب دون أن يقرأ، ويُكرّس صورة المثقف دون أن يُنصت إلى فكره، إنما يعيد إنتاج علاقة سطحية بالمعرفة؛ علاقة تكتفي بالرمز وتُقصي الممارسة.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في تكريس الطابع الموسمي للثقافة، ولا في تكثيف التظاهرات وتوسيعها، بل في إعادة ترتيب الأولويات: من ثقافة الحدث إلى ثقافة الفعل، ومن منطق الموسم إلى منطق الاستدامة. وهو ما يقتضي تدخلًا مركبًا يبدأ من المدرسة، بوصفها الفضاء الأول لتكوين القارئ، ويمر عبر الأسرة باعتبارها الحاضنة الأولى للعادة القرائية، ويُدعَم بسياسات عمومية تجعل من الكتاب حاجة مجتمعية لا ترفًا نخبوياً.
إن نجاح أي “مهرجان للكتاب” لا ينبغي أن يُقاس بعدد من مرّوا عبر أروقته، بل بعدد القراء الذين خرجوا منه وهم يحملون الكتاب إلى حياتهم اليومية. وبين الصورتين،صورة كتاب يُصفَّق له في المعارض، وواقع قارئ غائب في الحياة اليومية،تتحدد، في العمق، ملامح المفارقة الثقافية التي لا يمكن تجاوزها بالاحتفاء، بل بالفعل.

