آخر 24 ساعة

محاربة الغش في الامتحانات هل تصنع “الآلة” ما عجزت عنه “القيم”؟

عدد المشاهدات: 167

FB IMG 1780490101336

عادل بن الحبيب

الاربعاء 03 يونيو 2026 -13:38

أثار اعتماد وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بالمغرب لوسائل تكنولوجية متطورة لرصد حالات الغش في الامتحانات نقاشا واسعا داخل الأوساط التربوية وبين عموم المواطنين. وبين من اعتبر الخطوة ضرورة تفرضها التحولات الرقمية وتنامي أساليب الغش الحديثة، ومن رأى فيها مؤشرا على فشل المدرسة في ترسيخ القيم الأخلاقية لدى المتعلمين، يطرح الموضوع سؤالا عميقا يتجاوز الامتحان ذاته،هل تستطيع التكنولوجيا أن تعالج أزمة أخلاقية وتربوية أم أنها مجرد أداة لتدبير أعراضها؟
لا أحد يجادل في أن الغش الأكاديمي أصبح ظاهرة مقلقة تتخذ أشكالا أكثر تعقيدا مع تطور وسائل الاتصال والتكنولوجيا. فالهواتف الذكية والسماعات الدقيقة والتطبيقات الرقمية حولت الغش من سلوك فردي محدود إلى منظومة متكاملة تستفيد من التطور التقني نفسه. ومن هذا المنطلق، يبدو منطقيا أن تلجأ المؤسسات التعليمية إلى أدوات أكثر تطورا لمواجهة وسائل غش أكثر تطورا. فكما تطورت وسائل الغش، ينبغي أن تتطور وسائل المراقبة.
غير أن جوهر النقاش لا يتعلق بفعالية هذه الأجهزة بقدر ما يتعلق بدلالتها التربوية. فحين تصبح الآلة هي الضامن الأساسي للنزاهة، يبرز تساؤل مشروع حول مكانة التربية على القيم داخل المنظومة التعليمية. فالمدرسة من وظائفها ليس فقط نقل المعارف، بل تكوين المواطن القادر على احترام القانون والالتزام بالأخلاق حتى في غياب الرقابة. وإذا كان المتعلم يمتنع عن الغش فقط لأنه يخشى أن تكشفه آلة متطورة، فإننا نكون أمام امتثال مفروض بالخوف لا أمام اقتناع نابع من الضمير.
إن المراهنة الحصرية على التكنولوجيا قد تحقق نجاحا آنيا في تقليص عدد حالات الغش، لكنها لا تضمن بالضرورة بناء ثقافة النزاهة. فالرقابة مهما بلغت من الدقة تظل محدودة مقارنة بقوة القناعة الذاتية. وقد أثبتت تجارب عديدة أن المجتمعات الأكثر التزاما بالقوانين ليست تلك التي تمتلك أكبر عدد من الكاميرات وأجهزة المراقبة، بل تلك التي نجحت في تحويل القيم إلى سلوك يومي يمارسه الأفراد طواعية.
في المقابل، سيكون من التبسيط أيضا اختزال الأمر في خطاب أخلاقي مثالي يتحدث عن القيم فقط. فالوزارة مطالبة بضمان تكافؤ الفرص وحماية مصداقية الشهادات، ولا يمكنها انتظار تحول ثقافي قد يستغرق سنوات طويلة. لذلك فإن التكنولوجيا ليست بالضرورة بديلا عن التربية، بل قد تكون آلية مساعدة لها. فالقانون والتربية ليسا خصمين، كما أن الرقابة والوعي ليسا نقيضين. إنهما مستويان متكاملان ،الأول يمنع الانحراف، والثاني يعالج أسبابه.
ومن زاوية أخرى، يفرض هذا الجدل إعادة التفكير في أسباب انتشار الغش نفسها. فهل يتعلق الأمر فقط بضعف الوازع الأخلاقي؟ أم أن الظاهرة ترتبط أيضا بثقافة اجتماعية تجعل النجاح أهم من الاستحقاق، والنتيجة أهم من الجهد؟ عندما يتحول الحصول على النقطة أو الشهادة إلى غاية بأي وسيلة، يصبح الغش انعكاسا لأزمة قيمية أوسع من أسوار المؤسسة التعليمية. ولذلك فإن معالجة الظاهرة تقتضي مقاربة شمولية تشمل الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع ككل.
إن نجاح أي استراتيجية لمحاربة الغش يظل رهينا بتحقيق توازن دقيق بين الصرامة التقنية والتربية القيمية. فالتكنولوجيا قد تمنع الغش داخل قاعة الامتحان، لكن القيم وحدها هي التي تمنع التفكير فيه أصلا. وبين سلطة الآلة وسلطة الضمير، يبقى التحدي الحقيقي للمدرسة المغربية هو أن تجعل النزاهة خيارا أخلاقيا قبل أن تكون التزاما مفروضا بالرقابة.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *