فكري ولد علي
الجمعة22ماي2026-00:25

يكفي القيام بجولة سريعة داخل الأسواق الكبرى والفضاءات التجارية، لملاحظة حجم الاكتظاظ والإقبال المحموم على الشراء، في مشهد يعكس مفارقة واضحة بين كثرة الشكوى من غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، وبين سلوك استهلاكي متزايد لا يخضع في كثير من الأحيان لمنطق الحاجة أو الضرورة.
فقد أصبح جزء من المجتمع يعيش تحت تأثير ثقافة استهلاكية مفرطة، تدفع البعض إلى اقتناء أشياء تفوق إمكانياتهم المادية، فقط بدافع التقليد أو مجاراة المظاهر الاجتماعية، حتى وإن تعلق الأمر بمنتجات لا تشكل أي أولوية حقيقية في حياتهم اليومية.
هذا الاندفاع غير العقلاني نحو الاستهلاك، يساهم بشكل مباشر في تغذية جشع الأسواق والمضاربين، لأن ارتفاع الطلب المبالغ فيه يمنح التجار فرصة لمواصلة رفع الأسعار وتحقيق أرباح أكبر، في ظل غياب وعي استهلاكي قادر على ضبط التوازن بين الحاجة والقدرة الشرائية.
ولا يمكن إنكار وجود عوامل اقتصادية حقيقية مرتبطة بارتفاع الأسعار، غير أن جزءاً مهماً من الأزمة يرتبط أيضاً بسلوكيات مجتمعية كرّست ثقافة “الاستهلاك من أجل الاستهلاك”، وجعلت بعض الأسر ترهق نفسها مادياً من أجل مسايرة نمط استعراضي فارغ المضمون.
إن مواجهة الغلاء لا تقتصر فقط على المطالبة بالمراقبة أو تدخل الجهات المسؤولة، بل تبدأ أيضاً من إعادة بناء الوعي الاستهلاكي، وترسيخ ثقافة عقلانية تقوم على ترشيد النفقات، والتمييز بين الضروري والكمالي، لأن مجتمعا يستهلك بلا وعي، يفتح بنفسه أبواب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
