آخر 24 ساعة

تاونات.. “المرجان” يهدد الماء والحياة ويُنذر بخطر بيئي متصاعد

عدد المشاهدات: 103

صدى المغرب – سعاد اوعتاني

الإثنين 04 ماي 2026 -16:27

في قلب الطبيعة الساحرة التي تميز إقليم تاونات، حيث الجبال الخضراء والوديان المتدفقة، تتوارى خلف هذا الجمال أزمة بيئية صامتة تتفاقم مع كل موسم لجني الزيتون، مخلفات معاصر الزيتون، المعروفة محلياً بـ“المرجان”، تحوّلت إلى مصدر قلق حقيقي يهدد الموارد المائية والتوازن الإيكولوجي، ويضع المنطقة أمام تحديات بيئية متزايدة تستدعي تدخلاً عاجلاً.

ونحن في طريقنا إلى مدينة القمم، تاونات، استهوتنا المناظر الطبيعية الخلابة من جبال وسهول وتلال غنّاء، ولاعبتنا نسمات الأعشاب العطرية والطبية (زعتر – أزير – اللويزة)، فزادنا ذلك فضولاً لاكتشاف هذه المنطقة التي تتميز بغطاء نباتي وغابوي متنوع، وبفرشة مائية غنية، منها الجوفية والسطحية التي تنساب عبر العيون والآبار والوديان.

“المرجان”… مادة سوداء تفضح التلوث

انطلقت رحلتنا الاستقصائية خلال شهري نونبر ودجنبر من السنة الماضية، تزامناً مع موسم جني الزيتون، وخلال جولتنا لفت انتباهنا وجود مادة سوداء قاتمة (المرجان)، تطفو على مياه الأودية وعلى جنباتها، بل وحتى على قارعة الطريق.

ومع كل موسم جني الزيتون، يتجدد الجدل حول مخلفات معاصر الزيتون من مادة المرجان، التي تهدد البيئة والموارد المائية، وتضع الإقليم ضمن قائمة المناطق المهددة بيئتها الغنية والمتنوعة بكارثة محتملة، ما يدفع المجتمع المحلي إلى دق ناقوس الخطر.

زيت بجودة عالية… وثمن بيئي ثقيل

وتشتهر معاصر تاونات بإنتاج زيت الزيتون الطبيعي عالي الجودة، حيث تستقبل يومياً عشرات الأطنان من الزيتون من مختلف مناطق الإقليم، ويتم عصره فور حمله إلى المعصرة في مدة لا تتجاوز 72 ساعة، حفاظاً على مكوناته الطبيعية، وتفادياً لتعرضه لأشعة الشمس ودرجات الحرارة المرتفعة.

وفي هذا التحقيق، قمنا بزيارة عدد من الروافد المائية بتاونات، والتقينا أرباب المعاصر، وفعاليات من المجتمع المدني، ومسؤولين، وفلاحين، وعموم المواطنين، للوقوف عن كثب على ما تسببه مادة المرجان من تأثيرات سلبية على البيئة والموارد المائية.

أرقام صادمة من مديرية الفلاحة

يُعد إقليم تاونات من بين أهم المنتجين للزيتون ومشتقاته، حيث تغطي أشجار الزيتون مساحة إجمالية تناهز 150000 هكتار، أي ما يمثل حوالي 83% من مساحة الأشجار المثمرة، وحوالي خمس مساحة أشجار الزيتون على الصعيد الوطني، بإنتاج يفوق في المعدل 200000 طن سنوياً، بمردودية تصل إلى 15 قنطاراً في الهكتار بالمناطق البورية، و30 قنطاراً في المناطق المسقية، حسب معطيات المديرية الإقليمية للفلاحة بتاونات.

وتُعد مادة المرجان مادة سامة وخطيرة، تقضي على مختلف مظاهر وأشكال الحياة المائية والبرية، في إقليم يتوفر على 3000 وحدة تقليدية و82 وحدة شبه عصرية و26 وحدة عصرية، تم الترخيص لها قبل صدور القوانين البيئية.

وتشغل هذه الوحدات مئات العمال بنظام التناوب، حيث تشتغل بعض المعاصر على مدار 24 ساعة، من أجل الحفاظ على جودة الزيت وخصائصه، من خلال تخزين الزيتون في صهاريج أرضية كبيرة لا تتجاوز درجة حرارتها 13 درجة.

مكاسب اقتصادية… وخسائر بيئية

ورغم أن هذه الوحدات تساهم بشكل كبير في إنتاج زيت الزيتون الطبيعي وتحويله وتسويقه جهوياً ووطنياً، فإنها تقف أيضاً وراء تلويث واسع للأرض والمجال البيئي بشكل عام، وللموارد المائية بشكل خاص، بسبب مخلفاتها المتمثلة في مادة المرجان.

وحسب الإحصائيات المذكورة، فإن كمية المرجان المستخلصة بعد عصر الزيتون تُقدر بالأطنان، وهي كميات هائلة تحتوي على مواد عضوية تؤثر مباشرة على الموارد المائية، وتنذر بوضع كارثي يهدد سلامة الحياة، سواء على مستوى حقينة السدود والوديان الغنية بالأسماك، أو من خلال احتمال تسمم الإنسان والحيوان نتيجة استعمال هذه المياه في الشرب والسقي والري.

داخل المعاصر… كيف يتم التخلص من المرجان؟

وفي سياق هذا التحقيق،تم الانتقال إلى عدد من معاصر الزيتون للوقوف عن قرب على طريقة اشتغالها، والتي تتسم بالعصرنة والحداثة، وكذا كيفية التخلص من مادة المرجان.

ومع ارتفاع عدد وحدات ومعاصر الزيتون بحوض سبو، تزايدت المشاكل البيئية المرتبطة بالتخلص العشوائي من مادة المرجان في الوسط الطبيعي، وهو ما يساهم في تلويث الفرشة المائية ومجاري المياه والسدود، ويؤدي إلى القضاء على بعض الكائنات الحية، خاصة الأسماك والطحالب، نتيجة تدهور جودة المياه.

قانون يُحترم… وآخر يُخرق

وفي معرض الحديث عن المعاصر التي لا تلتزم بدفتر التحملات، يتبين أن الإقليم يتوفر على عدد قليل من المعاصر المستوفية للشروط المدرجة ضمن قانون البيئة،وفي إطار هذا التحقيق التقت الجريدة بمجموعة من أرباب المعاصر العصرية الملتزمة.

وفي هذا الصدد، وقفنا عند معصرة عصرية في ملكية السيد عبد اللطيف فويقر، صاحب وحدة إنتاجية للزيتون ونائب رئيس جمعية أرباب المعاصر بدائرة تاونات، حيث صرح أن عدداً من أرباب المعاصر لا يحترمون قانون البيئة، ويلجؤن إلى التخلص من مخلفات وبقايا الزيتون عبر قنوات الصرف الصحي أو في مجاري الوديان والسواقي.

وأكد المتحدث، أنه منذ دخول قانون حماية البيئة حيز التنفيذ، بادر إلى إحداث صهاريج خاصة لتجميع مادة “المرجان” والتخلص منها وفق الضوابط القانونية الجاري بها العمل.

وفي المقابل، أشار إلى أن عدداً من المعاصر ما تزال تعتمد على تصريف نفاياتها عبر قنوات الصرف الصحي أو بشكل مباشر في الأودية، وهو ما يخلف أضراراً بيئية جسيمة.

وجدد، في السياق ذاته، استعداده للانخراط في مختلف المبادرات الهادفة إلى الحد من هذه الظاهرة والتخفيف من انعكاساتها السلبية على البيئة.

غضب جمعوي وتحذيرات من كارثة

وفي هذا السياق، عبّرت فعاليات جمعوية بتاونات عن استهجانها وغضبها من هذا الوضع، حيث صرح السيد عبد الحفيظ الرحموني، رئيس جمعية ألوان للتنمية، أن تحول الأودية والمجاري المائية إلى اللون الأسود الداكن أصبح يشكل خطراً محدقاً بالمياه السطحية والفرشة المائية والمنظومة الإحيائية بالسدود، وعلى رأسها سد الوحدة.

وأضاف المتحدث،أن الوضع البيئي خلال موسم الزيتون ينذر بكارثة حقيقية، سواء من حيث تهديد السلامة والصحة العامة، أو من حيث التأثير على الرصيد السمكي، مطالباً بتدخل عاجل من الجهات المعنية، من وزارة الفلاحة ووكالة الحوض المائي لسبو والسلطات الإقليمية والهيئات المنتخبة وفعاليات المجتمع المدني، لوضع حد للمعاصر غير الملتزمة.

كما دعا حميد الهبازي، فاعل جمعوي بجماعة بني وليد، إلى اتخاذ موقف صارم وحازم تجاه أرباب المعاصر، وممارسة كافة أشكال الضغط من أجل احترام القوانين، وعدم استغلال الملك العام بشكل يضر بالبيئة وبمصلحة المواطنين.

وأكد أن الحفاظ على البيئة مسؤولية جماعية، مشدداً على ضرورة تطبيق القانون واحترام دفاتر التحملات، خاصة من قبل المعاصر التي تتخلص من مخلفاتها بشكل غير قانوني، مما يهدد جودة الموارد المائية وصحة المواطنين، ويشكل إشكالاً بيئياً حقيقياً.

غضب الساكنة والفلاحين

من جهتهم، عبّر فلاحوا وساكنة المنطقة عن غضبهم واستيائهم من تفاقم هذا التلوث، الذي بات حديث الجميع، ويهدد بتسمم الإنسان والحيوان خلال كل موسم لجني الزيتون.

وأعرب عدد من الفلاحين في تساؤلاتهم بشأن مستقبل الموارد المائية السطحية، في ظل تفاقم مظاهر التلوث وما يترتب عنها من معاناة متزايدة، مبدين قلقهم البالغ حول الأضرار التي تلحق بمحاصيلهم الزراعية ومواشيهم، نتيجة تدهور جودة التربة والغطاء النباتي، بفعل تسرب الأملاح الناتجة عن مادة “المرجان”.

واستنكر المتحدثون،حول يتسبب فيه بعض أرباب المعاصر من خسائر بيئية جسيمة نتيجة خرقهم للقوانين، مشيرين إلى أن هذه المادة تلحق أضراراً بالبيئة، كما تؤثر سلباً على السقي والري.

وعبّروا عن تضامنهم مع الجهات المكلفة بالمراقبة، مع الدعوة إلى إطلاق برامج تكوينية موجهة للفلاحين، تروم تطوير تقنيات تخزين وعصر الزيتون، والرفع من جودة الإنتاج، والحد من إشكالية تفريغ مادة المرجان في الوديان.

إجراءات وتدابير حكومية

حسب معطيات توصلنا بها من قسم التواصل بعمالة إقليم تاونات،فقد تم إتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير اللازمة لمعالجة التأثير السلبي لمادة المرجان على المجال البيئي بالإقليم، والمتمثلة في قيام لجنة إقليمية للمراقبة خلال كل موسم بزيارات ميدانية استباقية وفق برنامج يشمل مختلف وحدات استخلاص زيت الزيتون ، والتي يتبين لها كل سنة تسجيل مجموعة من الاختلالات من طرف بعض أرباب المعاصر.

ويضيف المصدر، أنه تم إصدار قرارات إغلاق للوحدات الإنتاجية، من قبل رؤساء الجماعات المعنية، إلى حين الالتزام بالمعايير البيئية المعمول بها، وذلك تفاديا لمخالفات المرتبطة بتسربات مادة المرجان خارج المعاصر وبمجاري المياه أو نقلها عن طريق شاحنات إلى مجاري المياه ،وإضافة الوحدات الغير المرخصة بنفس البنايات التي تتوفر على معصرة مرخصة واستبدال الوحدة الإنتاجية القديمة بوحدة جديدة، ذات قدرة إنتاجية دون تحيين الدراسة البيئية وعدم احترام دفاتر التحملات الخاصة بالدراسات البيئية المصادق عليها فيما يخص معايير بناء صهاريج تجميع وتبخر مادة المرجان ،إضافة إلى كمية الزيتون المرخص عصرها يوميا وكذا أوقات العمل المنصوص عليها في دفتر التحملات.

وعقدت اجتماعات دورية تحسيسية متعددة إقليميا ومحليا، حضرها أرباب معاصر وأطرتها مجموعة من المصالح المختصة بينها وكالة الحوض المائي لسبو، وتم خلالها تنبيه مالكي المعاصر، إلى ضرورة التقيد بالأنظمة والقوانين المنظمة للمجال البيئي المتعلق بالوحدات الإنتاجية لعصر الزيتون.

وكالة حوض سبو تُكثّف حملاتها البيئية للحد من تلوث “المرجان”

وفي هذا السياق، تقوم مصالح الوكالة، سنوياً، ببرمجة حملات تواصلية وتحسيسية تروم الحد من قذف هذه المادة الملوِّثة في الوسط الطبيعي، إلى جانب تنظيم جولات ميدانية لمراقبة مدى احترام أصحاب المعاصر للمعايير البيئية، وذلك في إطار لجان إقليمية تضم مختلف المتدخلين، حيث يتم تنفيذ أزيد من 40 جولة سنوياً.

وحسب رئيسة مصلحة جودة المياه بوكالة حوض سبو، السيدة بشرى بوسواري، فإن الهدف من هذه الحملات يتمثل في تحسيس وتوعية أرباب معاصر الزيتون بضرورة الوعي بمخاطر تصريف مادة المرجان في المنظومة البيئية عموماً، والموارد المائية على وجه الخصوص، وما يترتب عن ذلك من خسائر بيئية واجتماعية واقتصادية، مع حثهم على تجهيز وحدات الإنتاج بأنظمة لمعالجة هذه المادة، والالتزام الصارم بالمعايير البيئية الجاري بها العمل وبنود دفتر التحملات، بما في ذلك احترام تقنية الاستخلاص المعتمدة، والالتزام بحجم الإنتاج المتفق عليه، وإنجاز أحواض التخزين والتبخر وفق المعايير التقنية المعتمدة، وعدم قذف مادة المرجان في الوسط الطبيعي.

وأضافت المتحدثة أن الالتزام بالأنظمة والقوانين المنظمة للمجال البيئي المرتبط بوحدات عصر الزيتون يعد ضرورياً لحماية النظام البيئي داخل نفوذ وكالة الحوض المائي لسبو، مشددة كذلك على أهمية إنجاز دراسات التأهيل البيئي بالنسبة للمعاصر التي تم إحداثها قبل دخول القانون 12-03 المتعلق بدراسات التأثير على البيئة حيز التنفيذ.

وفي سياق متصل، أبرمت وكالة الحوض المائي لسبو عدداً من اتفاقيات الشراكة مع مختلف المتدخلين، بهدف إنجاز محطات لمعالجة مادة المرجان والحد من آثارها البيئية.

دراسات وأبحاث حول مخاطر المرجان

أظهرت دراسات وأبحاث علمية أن مخلفات مادة المرجان تتميز بحموضة مرتفعة، وغناها بالمواد العضوية والمواد الجافة، إضافة إلى احتوائها على أملاح متعددة الفينولات، فضلاً عن نسب مهمة من المعادن الثقيلة مثل الزنك والحديد.

وأبرزت دراسات تجريبية حول تأثير هذه المادة على التربة أن أغلب الملوثات الدقيقة، سواء العضوية أو غير العضوية، يتم احتجازها داخل التربة، مما يؤدي إلى تغيير خصائصها الفيزيائية والكيميائية، مع تسجيل ارتفاع في تركيز الكربون العضوي.

وخلصت هذه الأبحاث إلى أن المخاطر المرتبطة بمادة المرجان تفوق بأكثر من 100 مرة الآثار الناتجة عن التلوث الناجم عن المياه العادمة المنزلية في الوسط الحضري.

وحسب النتائج ذاتها، فإن التخلص العشوائي من هذه المخلفات يترتب عنه تدهور جودة التربة وإتلافها، إضافة إلى تضرر الغطاء النباتي وتلف المزروعات نتيجة تسرب أملاح البوتاس والمواد الأزوتية بتركيزات مرتفعة.

كما يتسبب ذلك في تلويث الفرشة المائية ومجاري المياه والسدود، مع الإضرار بالمنظومة الإحيائية، وإضعاف الصبيب المائي، فضلاً عن انسداد قنوات الصرف الصحي والري نتيجة تراكمات مادة المرجان وتأثيرها السلبي على تجهيزات السقي.

كما تشير الدراسات إلى تلوث المياه السطحية والجوفية وتراجع جودتها، مما ينعكس سلباً على مياه الشرب والسقي وسقي الماشية.

وتزداد حدة هذه التأثيرات خلال فترات الجفاف بفعل قلة التساقطات وتراجع صبيب الأودية، مما يؤدي إلى الإضرار بالمزروعات وبالمنظومة الإحيائية لبحيرات السدود، إضافة إلى تشكل طبقات زيتية تعيق تهوية التربة وتؤدي إلى اختناقها وتسممها.

حلول مبتكرة للحد من تلوث مخلفات معاصر الزيتون وتعزيز تثمين مادة المرجان

وفي إطار السعي إلى الحد من هذا التلوث البيئي الخطير والتخفيف من آثاره السلبية، أنجزت وكالة الحوض المائي لسبو دراسة للمخطط المديري لمكافحة التلوث الناتج عن مخلفات معاصر الزيتون، خلصت إلى جملة من الإجراءات والتوصيات، من أبرزها تهيئة المعاصر بأحواض غير نفاذة لا يتجاوز عمقها متراً واحداً، مخصصة لتخزين وتجفيف وتبخير مادة المرجان، مع إعادة تأهيل الأحواض الموجودة لتعزيز نجاعتها.

كما أوصت الدراسة باعتماد نظام العصر الإيكولوجي ذي المرحلتين، لما يحققه من تقليص في كمية المرجان الناتج، وتحسين جودة زيت الزيتون، إلى جانب كونه أقل استهلاكاً للمياه وأكثر مردودية من الناحية الاقتصادية، فضلاً عن إحداث صهاريج خاصة لتجفيف هذه المادة.

كما دعت التوصيات إلى العمل على إنشاء وحدات لتثمين مادة “الفيتور” من طرف أرباب المعاصر والقطاع الخاص، إلى جانب إحداث صندوق موحد على مستوى جهة فاس–مكناس، بهدف الحد من تفاقم مشكل التلوث الناجم عن مادة المرجان.

ومن جهة أخرى، اقترحت فعاليات جمعوية وأرباب معاصر إنشاء صهاريج كبرى على صعيد الإقليم لتجميع مادة المرجان وتبخيرها، مع مطالبة وكالة الحوض المائي سبو والسلطات الإقليمية والجهات المعنية بتوفير العقار اللازم لإنجاز هذه المشاريع.

كما تم اقتراح إحداث محطة إقليمية متخصصة في معالجة مادة المرجان، تعتمد على خبرات وبحوث علمية، خاصة لفائدة المعاصر التقليدية التي لا يتجاوز إنتاجها طناً واحداً يومياً، وذلك عبر التخلص التدريجي من هذه المادة من خلال تجميعها في أحواض مبلطة مملوءة بالتبن لتجفيفها، ثم إعادة استعمالها أو تسويقها كوقود حيوي أو سماد عضوي، أو كمادة أولية لاستخلاص منتجات ذات قيمة مضافة، مثل مضادات الأكسدة والإنزيمات والغاز الحيوي.

تحديات بيئية متصاعدة بسبب مخلفات الزيتون تستنفر وكالة الحوض المائي لسبو

في ظل تنامي الأنشطة المرتبطة بعصر الزيتون وما يرافقها من مخلفات ذات تأثيرات بيئية مقلقة، تكثف وكالة الحوض المائي لسبو من تدخلاتها الميدانية من خلال زيارات تفقدية منتظمة لمختلف وحدات استخلاص زيت الزيتون الواقعة ضمن نفوذها الترابي. وتهدف هذه العمليات إلى مراقبة مدى التزام أرباب المعاصر بالمعايير البيئية المعتمدة، وبمقتضيات دراسات التأثير البيئي ودفاتر التحملات، حمايةً للموارد الطبيعية وصوناً للتوازن الإيكولوجي.

وفي سياق متصل، تتزايد الدعوات إلى تعزيز المقاربة الوقائية في تدبير هذا القطاع، عبر إشراك مختلف الفاعلين في تحمل المسؤولية، وتفعيل التدابير القانونية والزجرية الكفيلة بالحد من الانعكاسات السلبية لمخلفات عصر الزيتون، التي تُعد من المصادر الملوِّثة للفرشة المائية بفعل غناها بالمواد العضوية.

كما تؤكد المقاربة الحديثة لحماية البيئة أن التصدي للتلوث لا يمكن أن يكون فردياً، بل هو مسؤولية جماعية تتطلب تعبئة مجتمعية شاملة، تقوم على التوعية والتحسيس بخطورة السلوكات البيئية الخاطئة، وما تسببه من اختلال في التوازن الطبيعي.

وفي هذا الإطار، يبرز الدور المحوري للمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص وجمعيات المجتمع المدني في إطلاق حملات توعوية مستمرة، تروم تسليط الضوء على الإشكالات البيئية واقتراح حلول عملية وواقعية، مع ترسيخ ثقافة بيئية لدى المواطنين، باعتبارهم الحلقة الأساسية في حماية البيئة وضمان استدامتها.

رغم المجهودات المبذولة من طرف الجهات المعنية، عبر حملات التوعية والمراقبة، إلا أن التحدي ما يزال قائماً.

عدد من المعاصر، خاصة التقليدية منها، لا تتوفر على تجهيزات كافية لمعالجة هذا النوع من النفايات أو تخزينها بطريقة آمنة.

ويؤكد مهتمون بالشأن البيئي والمحلي، أن الإشكال لا يرتبط فقط بالرقابة، بل أيضاً بضرورة توفير بدائل تقنية واقتصادية لأصحاب المعاصر، تمكنهم من تدبير هذه المخلفات دون الإضرار بالبيئة.

ويرى خبراء أن معالجة هذا الإشكال تتطلب مقاربة شمولية، تقوم على ثلاثة محاور رئيسية: تقنين صارم لطرق التخلص من “المرجان”، دعم المعاصر بتجهيزات حديثة لمعالجة النفايات السائلة، وتكثيف برامج التحسيس لفائدة الفلاحين وأرباب المعاصر.

كما يتم التأكيد على أهمية الاستثمار في تقنيات تحويل هذه المخلفات إلى مواد قابلة للاستعمال، مثل السماد العضوي أو مصادر طاقة بديلة، بدل اعتبارها مجرد نفايات.

وفي ختام هذا التحقيق،فبين اقتصاد يعتمد على الزيتون وبيئة تنذر بالاختناق، يظل “المرجان” في تاونات عنواناً لإشكال معقد يجمع بين التنمية والتلوث.

ومع استمرار هذا الوضع، يصبح السؤال المطروح بإلحاح: كيف يمكن الحفاظ على شجرة الزيتون كرمز للحياة دون أن تتحول إلى مصدر لتهديدها؟

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *