
صدى المغرب – سعاد ايت اوعتاني
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 -15:25
لم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة للتواصل أو الترفيه، بل تحول إلى جزء أساسي من الحياة اليومية للناشئة، يرافقهم داخل البيت والمدرسة والشارع، ويفتح أمامهم عالماً واسعاً من المعرفة والمعلومات. غير أن هذا الحضور المتزايد للتكنولوجيا يطرح في المقابل أسئلة جدية حول تأثيرها على التركيز والتحصيل الدراسي، وعلى قدرة الأطفال والمراهقين على بناء علاقة متوازنة مع التعلم.
فالتكنولوجيا في حد ذاتها ليست مشكلة، وإنما تكمن الإشكالية في طريقة استخدامها، والمدة التي يقضيها الناشئ أمام الشاشة، ونوعية المحتوى الذي يتابعه، ومدى وجود رقابة وتوجيه أسري وتربوي يواكب هذا الاستخدام.
لقد وفرت الهواتف الذكية إمكانات تعليمية لم تكن متاحة للأجيال السابقة،فأصبح بإمكان التلميذ الوصول إلى الكتب الرقمية، والدروس المصورة، والمنصات التعليمية، والقواميس والمراجع، والتواصل مع المدرسين والزملاء، والبحث عن المعلومات في ثوان معدودة.
لكن الوجه الآخر لهذه الثورة الرقمية يتمثل في تحول الهاتف، في كثير من الحالات، إلى مصدر دائم للتشتيت. فالإشعارات المتكررة، ومواقع التواصل الاجتماعي، والألعاب الإلكترونية، ومقاطع الفيديو القصيرة، تجعل الانتقال من الدراسة إلى الترفيه أمراً سهلاً وسريعاً، وقد تؤدي كثرة المقاطعات إلى إضعاف القدرة على التركيز لفترات طويلة.
ويزداد الأمر تعقيداً عندما يصبح الهاتف حاضراً أثناء إنجاز الواجبات أو المراجعة، فيجد التلميذ نفسه يتنقل باستمرار بين الدرس والمراسلات ومقاطع الفيديو والتطبيقات المختلفة.
لا يقتصر تأثير الاستخدام المفرط للتكنولوجيا على النتائج المدرسية فقط، بل يمكن أن يمتد إلى عادات التعلم نفسها. فالاعتماد الدائم على البحث السريع عن الإجابات قد يقلل من الميل إلى القراءة المتأنية، والتحليل، وحل المشكلات بشكل مستقل، خصوصاً عندما يتحول الهاتف من وسيلة للوصول إلى المعرفة إلى وسيلة لتجنب بذل الجهد الذهني.
كما أن السهر الطويل أمام الشاشات قد يؤثر في انتظام النوم، وهو عنصر أساسي في قدرة الطفل والمراهق على التركيز والتعلم خلال اليوم الدراسي.
ويضاف إلى ذلك تأثير المحتويات الرقمية المتنوعة في السلوك والانتباه وطريقة التواصل، فضلاً عن مخاطر التنمر الإلكتروني، والمحتويات غير الملائمة للسن، والمقارنة الاجتماعية التي قد تفرضها شبكات التواصل.
هناك أسباب متعددة تجعل الهاتف شديد الحضور في حياة الأطفال والمراهقين، فمن جهة، صُممت العديد من التطبيقات والمنصات بطريقة تشجع المستخدم على البقاء لأطول فترة ممكنة من خلال الإشعارات والمحتويات المتجددة باستمرار.
ومن جهة أخرى، قد يجد بعض الناشئة في العالم الرقمي مساحة للترفيه والهروب من الملل أو الضغوط الدراسية، خصوصاً في ظل غياب أنشطة بديلة كافية داخل الأسرة أو المدرسة.
كما أن غياب قواعد واضحة داخل المنزل بشأن أوقات استعمال الهاتف، وترك الأطفال يستعملون الأجهزة دون مواكبة أو توجيه، يمكن أن يحول التكنولوجيا تدريجياً من وسيلة مفيدة إلى عادة يصعب التحكم فيها.
مواجهة هذه الإشكالية لا تعني إبعاد التكنولوجيا عن حياة الناشئة، فهذا أمر غير واقعي في عصر أصبح فيه التعليم نفسه مرتبطاً بالوسائط الرقمية،المطلوب هو الانتقال من الاستخدام العشوائي إلى الاستخدام الواعي والمنظم.
وتتحمل الأسرة مسؤولية أساسية في وضع قواعد واضحة لاستعمال الأجهزة، مثل تحديد أوقات مخصصة للدراسة والنوم والراحة، وإبعاد الهاتف أثناء المراجعة والوجبات، ومراقبة المحتوى بما يتناسب مع عمر الطفل، مع الحرص على أن يكون الآباء أنفسهم نموذجاً في الاستخدام المتوازن.
أما المدرسة، فدورها لا ينبغي أن يقتصر على منع الهاتف، بل يتعين أن يشمل تعليم الناشئة كيفية استخدام التكنولوجيا بشكل آمن وفعال، وتمييز المعلومات الموثوقة من المضللة، واستعمال الأدوات الرقمية لخدمة التعلم بدل تحويلها إلى مصدر للتشتت.
المنع الكامل قد لا يكون حلاً دائماً، لأن الطفل سيجد نفسه في النهاية أمام عالم رقمي لا يمكن عزله عنه، لذلك تبدو الحاجة أكبر إلى بناء ما يمكن تسميته بـ”التربية الرقمية”، أي تعليم الناشئ كيف يستخدم التكنولوجيا دون أن يصبح أسيراً لها.
ويشمل ذلك تنظيم الوقت، وتحديد الأولويات، والتمييز بين الترفيه والتعلم، واحترام الخصوصية، والحذر من المحتويات الخطرة، والابتعاد عن الاستخدام المفرط، إلى جانب تشجيع الأطفال على القراءة والرياضة والأنشطة الثقافية والاجتماعية.
كما أن الاستفادة من التكنولوجيا في التعليم تقتضي توجيهها نحو إنتاج المعرفة لا استهلاكها فقط، بحيث يستخدم التلميذ الهاتف للبحث والقراءة والتعلم وإنجاز المشاريع، وليس فقط لمتابعة المحتويات الترفيهية.
إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الأسرة والمدرسة اليوم ليس كيفية إبعاد الناشئة عن التكنولوجيا، وإنما كيفية مساعدتهم على التحكم فيها،فالهاتف يمكن أن يكون مكتبة متنقلة وأداة للتعلم، كما يمكن أن يتحول إلى مصدر للتشتت إذا غاب التنظيم والوعي.
وبين هذين الوجهين، يبقى مستقبل علاقة الناشئة بالتكنولوجيا مرتبطاً بقدرة الأسرة والمدرسة والمجتمع على بناء ثقافة رقمية جديدة، تجعل التكنولوجيا في خدمة التعليم والنمو الشخصي، لا بديلاً عن التفكير والقراءة والتفاعل الإنساني.
فالمطلوب ليس جيلاً يرفض التكنولوجيا، ولا جيلاً يعيش أسيراً لها، وإنما جيل قادر على استخدامها بوعي، والاستفادة من إمكاناتها، ووضع حدود واضحة عندما تبدأ في التأثير على تعليمه وصحته وعلاقاته وحياته اليومية.
