ياسر اليعقوبي
الخميس 08 يناير 2026 – 13:06
لم يكن استحضار باتريس لومومبا مجرّد حنين إلى زعيم اغتيل، بل استدعاءً لمعنى القيادة حين تكون امتدادًا لكرامة جماعية لا لحظة انفعال.
لومومبا نفسه قال يومًا ما معناه: «إفريقيا ستكتب تاريخها بنفسها»، ولم يكن يقصد الكتب فقط، بل السلوك والوعي والقدرة على مواجهة الحقيقة دون وسائط دعائية. لم يخطب ليُرضي ولم يصرخ ليُخيف، بل واجه منظومة كاملة بهدوء رجل يدرك أن الوعي أخطر من الضجيج، ولذلك ظلّ رمزًا، لا لأن موته كان مأساويًا، بل لأن فكرته كانت أكبر من القبر.
ومعه تعود أسماء أخرى شكّلت نواة ذاكرة إفريقية صلبة، ذاكرة لم تُبنَ على الكراهية، بل على وضوح العدو وسمو الغاية. نكروما، سانكارا، سيكو توري… سانكارا لخّص الأمر بدقة حين قال: «لا يمكن أن نحرر الشعوب ونحن نكذب عليها».
هؤلاء القادة فهموا أن المعركة الحقيقية تُخاض في السلوك قبل الشعارات، وفي التنظيم قبل الهتاف. كانوا يعرفون أن الأمم لا تنتصر بالصوت العالي، بل بالانسجام الداخلي وبالقدرة على احترام الذات.
من هنا يصبح مشهد المشجع الصامت والمنضبط، المتواصل طوال مجريات المباراة، أكثر من مجرد أسلوب دعم رياضي. إنه فعل ثقافي واعٍ. مواطن يختار الصمت، لا عجزًا، بل احترامًا للذاكرة الجماعية، وانسجامًا مع لحظة أكبر من الأفراد. تشجيع بلا قفز، بلا فوضى، بلا استعراض، لكنه مشحون بالمعنى. كما قال أحد مفكري التحرر الإفريقي: «الكرامة لا تحتاج إلى ضجيج لتُرى». هكذا تُحيي الأمم العظيمة ذاكرتها: بالفعل، لا بالضجيج.
في الجهة الأخرى، تبرز حركة اللاعب الكرغولي “عورة أو حمورة” لا كحالة معزولة، بل كمرآة لخلل أعمق. دون تعميم، ودون إنكار وجود أصوات عاقلة ونزيهة هناك، تكشف هذه الحركة عن تربية سياسية وثقافية لم تستطع التصالح مع ذاتها، عن مشاعر مكبوتة غذّتها سنوات من الخطاب المغلق. الابتسامة في الواجهة، لكن الارتباك في العمق. استقبال مغربي صادق وكريم بلا حسابات صغيرة، يقابله سلوك انفعالي يفضح هشاشة داخلية لم تُعالَج بعد.
هنا بالضبط تظهر عقدة الصدمة. كثير من الجزائريين اكتشفوا بأعينهم مغربًا مختلفًا عمّا نحتته بروباغندا الكابرانات في صدورهم ومخيالهم الجماعي. مغربًا هادئًا، منظمًا، متصالحًا مع ذاته، لا يحمل عقدة إثبات، ولا يحتاج إلى شيطنة الجار ليبني صورته. هذه الصدمة لم تكن رياضية، بل نفسية. حين ينهار السرد الرسمي أمام الواقع، لا يكون رد الفعل عقلانيًا دائمًا. كما يقول علم الاجتماع السياسي، الإنسان حين تُسحب منه الرواية التي عاش بها، إما أن يراجع نفسه، أو يغضب.
ولأن المراجعة مؤلمة، اختار بعضهم الغضب. لم يتقبلوا حجم الصدمة… أن المغرب ليس كما قيل لهم، وأن “الآخر” الذي صُوِّر كعدوّ هش، تبيّن أنه مختلف، وربما في جوانب كثيرة أكثر اتزانًا. هنا تتحول الحركة الانفعالية إلى وسيلة دفاع نفسي، لا رسالة قوة. ليست المشكلة في المنافسة، ولا في الاختلاف، بل في العجز عن تحويل الصدمة إلى وعي جديد.
حين تفشل النخب في تهيئة شعوبها للحقيقة، يصبح الشارع أسير ردود الفعل. وحين يمرض الخطاب، يعجز من يُفترض أنهم يعالجونه عن تقديم الدواء، لأنهم جزء من العلّة نفسها. ليست إهانة، بل توصيف لحالة منظومة تُفضّل حماية الأسطورة على مداواة الواقع.
وهنا يبرز التباين بوضوح. تنظيم وهدوء وحسم. المغرب لا يبالغ في الترحيب ولا يبتزّ الذاكرة، بل يستقبل بوعي، ويُقدّم نفسه بلا ضجيج. كما قال لومومبا ذات يوم بمعناه العميق: «الحرية لا تُمنح، بل تُمارَس». والمغرب مارسها بهدوء. تقدمٌ يُقاس بالثبات، لا بالصراخ. استقبال محسوب، رسالة واضحة، ومشهد حضاري لا يحتاج إلى شرح.
الذاكرة لا تُدار بالغضب، ولا تُحمى بالكراهية. من استلهم لومومبا ليبني وعيًا، فهم الدرس. ومن استدعاه ليغطي فراغًا داخليًا، أساء إليه دون أن يدري.
التاريخ لا ينسى، والصدمة وإن كانت مؤلمة، قد تكون بداية شفاء… إن وُجدت الشجاعة للاعتراف.




