صدى المغرب-من الرباط
الأحد25يناير2026-15:40
كثيرا ما يقال بأن الإعلام يشكل السلطة الرابعة في المجتمعات الحديثة، وفي حقيقة الأمر أن الإعلام ليس سلطة فهو لا يملك أدواتها ولكنه وسيلة تواصل شديدة النفوذ في التأثير على الرأي العام وتوجيه، حيث تزداد أهميته في معارك كسب العقول والقلوب. فالإعلام رغم أنه قوة ناعمة ” soft power” أضحى له دور مهم في حروب القرن الحادي والعشرين بما يمتلكه من إمكانيات وتقنيات الثورة الاتصالية ما يجعل هذا الدور لا يقل خطورة عن أي نوع آخر من أنواع القوة الصلبة” power Hard ” التي تمتلكها الدولة.
الثورة التكنولوجية التي عرفتها الساحة الإعلامية مند بداية استخدام الرقمنة والانترنيت وتكنولوجيا المعلومات، جعلت العالم يعيش عصرا اتصاليا تحكمه علاقات اجتماعية قائمة على مدى كيفية استخدام الوسائل الحديثة التي أتاحتها تلك الثورة المتمثلة في تكنولوجية التواصل الاجتماعي في إنتاج المضمون وتوفير المعلومة، و كذلك على ما مدى تأثير تلك الرسائل على المجتمع والتفاعلات الاجتماعية التي تترتب عنها خاصة إذا ما سلمنا بأن الرسالة الإعلامية هي مجموعة من الأفكار و الرؤى و القيم التي قد تؤثر على السلوك و التفكير الاجتماعي بصفة عامة.و هكذا نجد أن مضمون لرسالة إعلامية ما قد يؤثر على مجموعة من القيم و المعتقدات لمجتمع ما، كما يمكن أن يكون لذلك المضمون أو تلك الرسالة تأثير على توجهات الأفراد و سلوكهم بخصوص تلك القيم و المعتقدات و الدفع بهم إلى المطالبة بإحداث تغييرات في المجتمع الذي ينتمون إليه. كما يمكن أن تحمل تلك الرسائل الإعلامية أيضا مضمونا يعكس الرغبة في توزيع السلطة والهيمنة داخل دلك المجتمع من خلال تعزيز سلطة فئة اجتماعية أو سياسية ما على فئة أخرى.
لقد شكل الإعلام الحلقة الأضعف في تنظيم بطولة كأس إفريقيا للأمم كأس بالمغرب، فلم يكن نجاح المغرب في تنظيم هذه التظاهرة الرياضية القارية مجرد حدث رياضي عابر؛ بل تجربة كشفت الوجه الخفي لعلاقات المملكة مع عدد من الدول الإفريقية التي كانت دائما تصنف ضمن دائرة الشراكة والصداقة. لقد أظهرت هذه البطولة بجلاء أن الكرم الذي أغدقه المغرب على عدد من الدول، في وقت كانت تعيش فيه أزمات وتمر بمراحل هشة، مهما كان كبيرا، لا يضمن دائما ولاء الشركاء التقليديين، خاصة أن بعض الأطراف لا تتوانى في اللعب على حبل الحسابات الانتقائية والمصالح الذاتية، ولو على حساب الروابط التاريخية والسياسية والاقتصادية والروحية والقيمية والثقافية.
بل الأكثر من ذلك ، لقد لاحظنا كيف أن العديد من الدول العربية والافريقية التي توصف بالصديقة والشقيقة كيف حركت آلاتها الإعلامية ووجهت سهامها للنيل من التنظيم المحكم و النجاح الباهر الذي شهدته هذه التظاهرة الرياضية بشهادة كبار ومشاهير الرياضة في مختلف مناطق العالم، لكن بطولة كأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب لم تكشف عن حدود المنافسة الرياضية فقط، بل سلطت الضوء بشكل غير مسبوق على هشاشة المنظومة الإعلامية الوطنية؛ فالنجاح التنظيمي والاعتراف الدولي الواسع لم يترجما حضورا إعلاميا متماسكا يعكس صورة المغرب ويصون إنجازاته، بل وجد الرأي العام نفسه أمام حملات إعلامية معادية ومغرضة ومضللة لم تواجه بخطاب وطني قوي ومنهجي، مما جعل المعركة تحسم خارج الملاعب وفي الفضاء الإعلامي، حيث تصنع الانطباعات وتوجه الآراء في اتجاه يخدم أجندات دول ما فتئت تكن الحب للمغرب ظاهريا ولكنها تضمر له كل أنواع الحقد والضغينة والكراهية باطنيا.
ولعل ما وقع مع السنغال كان مفاجأة مدوية، خاصة بالنسبة لبلد تربطه بالمغرب روابط تاريخية وروحية وقيمية وثقافية مشتركة منذ القدم، دون الحديث عن خروج الجماهير في بعض الدول العربية كالجزائر ومصر للتشفي في خسارة المنتخب المغربي. فعلى الرغم من أن هذه الجماهير لا تمثل الشعوب، فإن الأمر يسجل كسابقة في التاريخ العربي ويعد مسمارا أخيرا يدق في نعش العروبة والقومية، فحتى الأنظمة في هذه الدول لم تكن تسمح بهكذا خروج لضرب بلد عربي لم يفز في مسابقة رياضية. إن هذه السلوكات والتطورات تثير شكوكا حول نوايا مجموعة من الدول تجاه المغرب؛ وبالتالي حان الوقت لإعادة ترتيب الأوراق الدبلوماسية، لأنه كان هناك في السابق نوع من المهادنة مع العديد من الدول الإفريقية بسبب قضية الصحراء المغربية. أما اليوم، ومع قرار مجلس الأمن الأخير الذي حسم هذا الملف يجب على المغرب أن يتحرى الصديق من العدو ويضع خارطة طريق واضحة في التعامل مع العديد من الدول الإفريقية بمنطق المصلحة والبراغماتية.
فكرة القدم وكل أنواع الرياضات لم تعد اليوم لم تعد مجرد رياضة؛ بل أصبحت فضاء متعدد الأبعاد سياسيا ودبلوماسيا وفي أحيان كثيرة، تعد مدخلا ضروريا لفهم عدد من الأمور الأخرى. وهذا ما شهده المغرب خلال تنظيمه لكأس إفريقيا للأمم، فقد تجاوزت فيه المنافسات الرياضية حدود الملعب لتصبح مؤشرا على التحولات الجيوبوليتيكية وتوازن القوى الإقليمية والدولية، حيث يمكن أن تستغل المباريات والأحداث الرياضية الكبرى كأداة للتأثير الإعلامي والسياسي، وأحيانا كستار لتصفية حسابات سياسية أو توجيه رسائل رمزية بين الدول.
فجأة وجد المغرب بأنه بلد محاطا بمجموعة من الألغام الإعلامية والمؤامرات السياسية، حيث اتضح أن نجاحه وتقدمه على الصعيدين الرياضي والدولي أضحى يزعج بعض البلدان الافريقية والعربية. وعلى العكس من ذلك، فإن مجموعة من الدول الغربية التي لا تجمعنا معها أواصر الدين والتاريخ والثقافة أبدت إعجابها وبصوت مرتفع عن التنظيم المحكم والناجح الباهر الذي حققه المغرب بل أن العديد من بلدانها أرسلت بعثات رياضية وأمنية للاستفادة من التجربة المغربية الرائدة في مجال تنظيم التظاهرات الكبرى ليس فقط في المجال الرياضي، بل في مختلف المجالات الأخرى. وهذه مفارقة تستوجب على صناع القرار وقفة تأمل وتحليل استراتيجي لفهم مختلف خيوط هذه اللعبة القدرة التي تحاك خيوطها في جنح الظلام. وهذا يجعل من الضروري أن يكون المغرب أكثر يقظة تجاه تحركات خصومه المحتملين، وأن يدير ملفاته الأمنية والدبلوماسية بشكل استباقي، حتى على المستوى الرياضي والأحداث الرياضية.
لكن ما يحز في النفس هو المستوى الضعيف المسجل على مستوى التغطية الإعلامية الوطنية التي رافقت هذه التظاهرة الرياضية، مما جعل المغرب يتعرض لهجمة إعلامية شرسة ومغرضة وجد نفسه في موقف الرد غير المتكافئ في ظل وضعية الضعف الذي يعيشه الإعلام المغربي وخاصة منه الرياضي، لقد أظهرت التغطيات الإعلامية التي رافقت هذه التظاهرة الرياضية أن العديد من المنابر لا تزال تشتغل بمنطق العناوين السهلة والمحتوى السطحي، بعيدا عن الصحافة التحليلية والتفسيرية التي تتطلب فهما معمقا للسياق وإلماما برهانات الرياضة بوصفها مجالا متقاطعا مع السياسة والاقتصاد والدبلوماسية. إن الهجوم الممنهج على الإعلام الجاد ومحاولات إفراغه من المحتوى وتشجيع الصحافة التافهة، هو ما يدفع الوطن ثمنه اليوم، في صورة ضعيفة أمام العالم وغياب صوت وطني قوي قادر على الدفاع عن الإنجازات.
لقد كشفت تجربة التنظيم، عن أهمية مراجعة التحالفات والشراكات على أسس استراتيجية طويلة المدى، وليس فقط على ضوء موقف من مباراة أو حدث رياضي محدد؛ فالأطراف التي تتخذ مواقف عدائية أو معادية اليوم لأسباب رمزية أو ظرفية قد لا تضمن عدم مفاجأة المغرب غدا في ملفات أكثر حساسية أو استراتيجية. وهذا يدفع إلى ضرورة تعزيز شبكة التحالفات القائمة على مصالح متبادلة وثقة سياسية مستدامة، لا على اعتبارات ظرفية أو تكتيكية قصيرة المدى.
لقد بدا واضحا، أن بعض البلدان الإفريقية يعرفون أن قضية الصحراء المغربية هي الذراع الذي يوجع المغاربة. لذلك فقد تبيّن أن بعض الأفارقة قلوبهم مع علي وسيوفهم مع معاوية. ولذلك يجب على المغاربة أن يحتاطوا من هذه الحملات غير البريئة ولا ينساقوا إلى ردود الفعل التي لا تولد إلا ردود أفعال متوترة أو سلوكات عدائية أو عنصرية؛ فهذه السلوكات ليست من قيم وشيم المغاربة الذين تربوا على قيم التسامح والتعايش بين مختلف الثقافات والقيم المجتمعية، بل يجب علينا كمغاربة أن نبقى مركزين على إنجاح كل الأوراش التنموية الوطنية أو تلك ذات الأبعاد الجهوية والقارية، فأعداء الوطن يحاولون وهم واهمون عزلة المغرب عن قارته وإفشال مشاريعه التنموية الكبرى ذات البعد القاري والتي ستعطي للمملكة الريادة القارية.
فالوضع الدولي الحالي للمغرب، بعد الحسم الأممي لقضية الصحراء، يعطي فرصة لإعادة ترتيب أولويات الدبلوماسية والسياسة الخارجية والاقتصاد في إفريقيا. لقد أصبح بإمكان المغرب، استنادا إلى توازنه الجديد في القوة والاعتراف الدولي المتزايد، أن يراجع بعض علاقاته الاستراتيجية، ويوازن بين مصالحه الوطنية والتزاماته الإقليمية، ويعزز موقعه كفاعل مؤثر في القارة، مع تبني مقاربة تجمع بين القوة الناعمة والصرامة عند الحاجة، أي سياسات واقعية مبنية على المصلحة الوطنية بالدرجة الأولى.
المغرب اليوم مقبل على استحقاقات كبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2030، وهي ليست مجرد منافسة رياضية، بل اختبار شامل في التنظيم، والصورة، والنفوذ الرمزي. ومن دون إعلام وطني قوي، مستقل، مهني، قادر على مخاطبة العالم بلغته ومنطقه، سيظل الوطن يدفع ثمن الفراغ الإعلامي، وستظل الإنجازات عرضة للتشويش أمام الروايات التي لا تخدم مصالح البلاد. إن اللحظة الراهنة تستدعي شجاعة مزدوجة: شجاعة رسمية لإعادة النظر في السياسة الإعلامية ومعايير الدعم، وشجاعة مهنية داخل الجسم الصحفي للارتقاء بالممارسة، والقطع مع الرداءة، وبناء إعلام يليق بطموحات بلد اختار أن يكون فاعلًا إقليميًا ودوليا لا مجرد موضوع للتغطية.
بالطبع، يحس المغاربة ب” الشمتة”، عندما ينظرون إلى ما قدمه ويقدمه المغرب من تضحيات في سبيل النهوض بأحوال القارة الإفريقية؛ وبالمقابل يلاحظون أن هناك من الأفارقة من يعتقد أن المغرب بقرة حلوب يشربون من حليبها حتى الثمالة وبعدها يوجهون له سهام الحقد والضغينة والكراهية. ولكن المثل الدارجي المغربي يقول: ” ملي كي كثروا العديان عرف راسك بأنك غادي مزيان”.
محمد الكيحل، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالمعهد الجامعي للدراسات الإفريقية، ورئيس مركز إشعاع للدراسات الاستراتيجية والأمنية وتحليل الأزمات




