في محطة القطار… بمدينة الأحاجي مكناس…

هيئة التحرير9 فبراير 20261 مشاهدة
في محطة القطار… بمدينة الأحاجي مكناس…

محسن الأكرمين.

الاثنين 09 فبراير 2026 -19:44

من عادتي السيئة أن يصيبني الفزع والخوف وأنا ألجُ محطة القطار، أو في انتظار قُدوم القطار الآتي على السكة. لا أعلم سبب الارتباك الذي يقض مضجعي وأنا أرى بالعين جميع المسافرين في لغط ولغو وابتسامة فائضة في ترف العيش والقول. في محطة القطار وخاصة بمدينتي مكناس، يزيدني الولوج إليها عند السفر نوعا من التوتر النفسي، أكثر بكثير من محطات مدن أخرى، وبهذا الفزع يُمكن أن يصيبني الغثيان المعوي قبل امتطائي للقطار، وفد أُفسد رائحة مكاني ولباسي.
فحين يزيد الضغط النفسي بي، أبيتُ أفكر مثل ذاكرة السمكة، والتي أصلا لا تستحمل العيش بدون ماء، حتى ولو داخل حوض بلور لامع في بلاط السلطان. إنها مكناس التي تسكنني، ونفتخر بأننا جزء من سلالة السلف الطيبين بهذه المدينة الممانعة، لكنا نحن الخلف من ضيعنا حقا (اللبن وعوائد زعطوط الغشاش)!!!
رُهاب محطة القطار بمكناس بات جزءا من ذاتي العليلة التي تلازم علة التنمية بذات المدينة، فقد يتفاقم عندي بحدة زيادة خفقان القلب السريع، ونحن نجلس القرفصاء وننتظر الآتي من المنعرج الغائر، ونداوم على تحريك تفكير محرك المقايسات بين المدن، حينها أشعر أني أتواجد في محطة من جيل الحماية والاستعمار (الماكر)، والذي استنزف المدينة، وقسمها شيعا وقبائل متناحرة حتى في السياسة، وفي غياب التوافق عن تنمية كبرى للمدينة السلطانية. أتصور عيون الاستعمار في الماضي المتربصة بالداخلين والخارجين من وإلى المدينة، وذاك الحصار العتي على نخبة من الوطنيين الشداد، لكن عند رفع رأسي للتأوه العميق، رأيت أن تلك العيون الآدمية القديمة في حقبة من التاريخ القريب قد استبدلت بكاميرات رقمية ذكية!!!
أجلس أمام ما يمكن أن يكون الواجهة الجديدة لمحطة القطار الحديثة، والتي طال انتظارها في المكان والزمن، وصفقنا لها عند البدايات لا النهايات!!! أرى أن نفس الاكراه يتكرر بنوعية بئيسة من الإهمال والبطء في الإنجاز والإخراج، وكأن المدينة خارج زمن ورمزية الأحقية بتنمية عادلة وتحقيق العدالة المجالية والكرامة الجيدة. ولازالت حتى هي تنتظر قطار(غودو) الذي سيأتي يوما ما أو لا يأتي!!! سواعد العمل البنائي المغربية حققت رقما قياسيا في إنشاء ملاعب في مدة لا تزيد عن ستة أشهر معدودات، ومحطة القطار (الكبير) بالمدينة لازالت قيد التسييج والانتظار!!! ولازال العمل بالمهل يُحبط عزم المدينة في قيادة التنافسية السياحية والاستثمارية والرياضية!!! حينها تذكرت مثالا شعبيا وابتسمت من فرط نكسي (البَادنجال يُؤْكل بالمهل)!!!
في محطة القطار بمدينة مكناس، قد تتراءى لكم الفوارق البينة حتى في كسب قسط من جمالية التنمية وسياسة المدينة الركيزة، وذلك من خلال مقارنة المدينة مع مجموعة من المدن الآتية والناشئة والتي صنعت تنميتها ونهضتها بكل جدية وتحد ويقظة، ومكناس لازالت عالقة في صياغة المطالب والاستراتيجيات وترشيد الحاجيات!!! وسياسة احتساب الحفر والمطبات السياسية!!! سمعت صوتا دافئا يُنادي عبر مكبر الصوت: “القطار الآتي من وجدة نحو القنيطرة الرباط… “، حينها التمست لها للصوت الرخو العُذر فمدن في طريق القطار لم تذكر بتاتا وكأنها مدن وقرى من المغرب العميق!!!
توقف القطار أخيرا بمحطة مكناس يمينا، استسلمت لكل هلوستي المفرطة في حب هذه المدينة، وزادت أمعائي ومعدتي رجة مدوية، حينها عدَّلت الرأي عن امتطاء هذا القطار بالذات، والعودة من حيث أتيت. حقيقة لا أدري ما السبب وراء تراجعي المفاجئ هذا، لكني كنت أشعر أني أنتظر قطار التنمية الآتي بمشاريع التمكين، لا قطار ترك المدينة خاوية على عروشها. نَبهني مساعد محطة الوقوف والإذن للقطار بمعاودة الانطلاقة بأن هذا آخر قطار يدخل مكناس!!! نظرت إليه شاكرا وخاطبته: لا عليك سيدي لن يُعيينا الإنظار فنحن ألفنا آخر قطار وآخر محطة!!! وتساكننا مع المثل الشعبي في (كل امْعَارْضَة فيها خَير)!!! لم يفهم قصدي بتاتا، وحسبني من زوار غفلة السفر، بل تركني وهو يُسرع الخطى نحو مكتبه المتهالك، وأعلن لي: سنغلق باب المحطة، من فضلك أُخرج الآن!!! لم أعارض قراره الإداري، واسترجعت نفسي من الغثيان على ذاتي العليلة، وخرجت سالما آمنا من سفر في الزمن لا في المكان.