آخر 24 ساعة

مناظرة «ميديف» ..بعيدا عن الترحال والتزكيات.. هكذا يجب أن يكون النقاش السياسي.

عدد المشاهدات: 136

FB IMG 1788014426135 scaled

عادل بن الحبيب

السبت 29 غشت 2026 -15:43

أحيانا لا نحتاج إلى تقارير طويلة أو استطلاعات رأي معقدة لاكتشاف الفرق بين ممارسة سياسية ناضجة وأخرى ما تزال عالقة في التفاصيل الصغيرة. يكفي أن نشاهد ما جرى يوم الخميس 28 غشت 2026، لنطرح على أنفسنا سؤالا بسيطا ومحرجا، كيف يكون النقاش السياسي قبل الانتخابات ؟

في فرنسا، اجتمع سبعة من أبرز المرشحين والشخصيات السياسية التي تمثل أطيافا مختلفة من المشهد الفرنسي، في مناظرة اقتصادية نظمتها منظمة أرباب العمل «ميديف» أمام نحو ستة آلاف من أصحاب المقاولات، واستمرت لأكثر من ثلاث ساعات. وكان الحاضرون يمثلون اتجاهات سياسية وفكرية متباينة بشكل واضح، كشفت خلافات واسعة حول مواضيع مهمة مثل التقاعد والضرائب والدين العام.

المناظرة جمعت غابرييل أتال، رئيس الوزراء السابق ينتمي لتيار الوسط، إدوار فيليب، رئيس وزراء سابق ينتمي لليمين المعتدل،مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف، جان لوك ميلونشون، زعيم اليسار الراديكالي ،رافاييل غلوكسمان، النائب الأوروبي عن يسار الوسط، برونو ريتايو، وزير الداخلية السابق عن التيار المحافظ، ومارين تونديلييه، زعيمة حزب الخضر.

ورغم اختلاف المرجعيات والمواقع السياسية، لم يتحول اللقاء إلى مناسبة لتبادل الاتهامات الشخصية أو استعراض الولاءات الحزبية. لم يكن النقاش حول من استقطب مرشحا من خصمه، ولا حول من وضع ابنه أو ابنته في لائحة انتخابية، ولا حول من غادر حزبا والتحق بآخر. كان النقاش حول فرنسا نفسها. الدين العمومي، العجز، الضرائب، التقاعد، الأجور، كلفة العمل، إعادة التصنيع، القواعد المنظمة للاقتصاد.

الأهم من ذلك أن المرشحين لم يقدموا نسخة واحدة من الكلام نفسه. كانت هناك تصورات متباينة، بل متناقضة أحيانا، حول مستقبل الاقتصاد والمجتمع والدولة. اليسار يدفع باتجاه رفع الأجور وإعادة النظر في إصلاح التقاعد وفرض ضرائب أكبر على الثروات، بينما يدافع اليمين والوسط عن تقليص الإنفاق والضرائب وتخفيف القيود والعمل لفترة أطول، فيما تطرح أطراف أخرى مقاربات أكثر جذرية بشأن الدين العمومي ودور الدولة. الاختلاف هنا ليس عيبا، بل هو جوهر السياسة.

يمكن أن تختلف مع ميلانشون أو ريتايو أو أتال أو لوبان أو غلوكسمان أو تونديلييه أو فيليب، ويمكن أن تعتبر بعض مقترحاتهم غير واقعية أو شعبوية أو مكلفة، لكنك في النهاية تعرف ماذا يريد كل واحد منهم أن يفعل. تستطيع أن تقارن، أن تنتقد، أن ترفض، وأن تختار. وهذه هي وظيفة الانتخابات، أن يضع السياسي أمام المواطن تصورا واضحا، ثم يترك للمواطن مهمة الحكم عليه.

والمفارقة أن فرنسا، التي لا تفصلها عن انتخاباتها الرئاسية سوى أشهر، بدأت منذ الآن في مناقشة قضايا كبرى، بينما نحن لا تفصلنا عن استحقاقاتنا الانتخابية سوى أسابيع، ومع ذلك ما يزال جزء كبير من النقاش السياسي يدور خارج السياسة نفسها.
عندنا، بدل يقدم الحزب برنامجا يجيب عن الأسئلة ، ماذا سنفعل بشأن التعليم؟ ماذا سنفعل بشأن الصحة؟ كيف سنرفع دخل الأسر؟ كيف سنخلق فرص الشغل؟ كيف سنعالج أزمة النقل؟ ماذا عن الاستثمار؟ ماذا عن العدالة المجالية؟ ماذا عن الإدارة؟ كيف ستدبر المال العام؟ وما تصورك للمدينة والجماعة والجهة؟…

نجد انفسنا أمام أسطوانة أخرى، هذا استقطب منتخبا، وهذا غادر حزبا ليلتحق بحزب آخر، وهذا وضع ابنه أو ابنته، وهذا حصل على تزكية، وهذا اتهم بأنه دفع مقابل التزكية.

كل ذلك قد يكون مهما عندما يتعلق الأمر بسلامة العملية الانتخابية ونزاهتها، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى مضمون كامل للحملة الانتخابية. فالانتخابات ليست سوقا للتزكيات، ولا مباراة في الترحال الحزبي، ولا مسابقة في استقطاب الأسماء والوجوه. الانتخابات في جوهرها صراع بين أفكار وبرامج ورؤى لتدبير الشأن العام.

المشكلة ليست فقط في السياسيين، بل في البيئة السياسية التي تسمح بتحويل النقاش الانتخابي إلى سباق على الأشخاص بدل الأفكار. وحين يصبح الحصول على التزكية أهم من امتلاك برنامج، وحين يصبح الانتماء الحزبي مجرد محطة مؤقتة في طريق الوصول إلى المقعد، يصبح من الطبيعي أن تتحول الحملة إلى صراع تزكيات، بدل أن تكون فضاء للتنافس حول المشاريع.
والأخطر من ذلك أن المواطن نفسه يختزل في هذه اللعبة.

عوض أن يعامل باعتباره مواطنا له أسئلة وانتظارات ومصالح ووعي وقدرة على الاختيار، يجري التعامل معه أحيانا باعتباره مجرد رقم انتخابي يمكن استمالته بالاسم العائلي، أو بالعلاقات، أو بالخدمات، أو بالخطاب العاطفي،أو بالمال.

لا أحد يطلب من الأحزاب المغربية أن تنسخ التجربة الفرنسية، ولا أن تستورد مناظراتها بحذافيرها. لكل مجتمع سياقه السياسي والاجتماعي والثقافي. لكن ما يمكن استعارته، بل ما يجب أن نتعلمه، هو احترام ذكاء الناخب، ووضع السياسة في

مكانها الطبيعي، فضاء للأفكار والاختلاف والبرامج والمساءلة.
المشكلة في نهاية المطاف ليست أننا لا نملك سياسيين يتحدثون، بل أننا لا نسمع ما يكفي من السياسيين يتحدثون عن السياسة. نسمع كثيرا عن المرشحين، وعن صراعاتهم، وعن تزكياتهم، وعن أبنائهم وأقاربهم وتحالفاتهم، لكننا نسمع قليلا جدا عن المواطن الذي يفترض أن يكون كل هذا الصخب من أجله.

وهنا يكمن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق الانتخابات، عندما يدخل المواطن إلى مكتب التصويت، ماذا سيختار بالضبط؟ شخصا؟ اسما عائليا؟ حزبا؟ علاقة؟ أم مشروعا واضحا لمستقبله يجيب عن كل تساؤلاته و انتظاراته؟

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *